تحقيق صحفي يكشف خبايا المليارات المسروقة والتسريبات التي تهز النفوذ في دارفور وجنوب كردفان
داخل خيمةٍ مهترئة على هامش صحراء دارفور، حيث تلتف الأقمشة حول أعمدة خشبية صدئة، تدور لقاءات حاسمة ينتظر منها أن تقرر مصير تحالفات ووعود الثروة والسلطة. هنا، في “الهواء الطلق”، ينكشف جانبٌ من أسرار ميليشيا الدعم السريع، بعيداً عن قاعات العاصمة ودهاليز السلطة الرسمية، حيث تُوزَّع الملايين، وتُسوَّى الحسابات، وتُسجل المكالمات المسربة.
الأموال المدفوعة… رهانات بملايين الدولارات
من ميدان الفاشر إلى جبال النوبة، باتت كشوفات الدفع سرّاً يمارسه قياديّو الدعم السريع لتحقيق الولاءات وإسناد المقاتلين. مصادر موثوقة تحدثت عن تحويلات بنكية بملايين الدولارات إلى قادة ميدانيين، مقابل ضمان ولائهم واستمرارهم في المعارك ضد الجيش الشعبي والحركات المسلحة الأخرى.
“دفعتُ له ما قيمته أكثر من ٣ ملايين دولار، لكنه لم يلتزم بوعوده في الحشد والإمداد”، هكذا عبّر أحد المعاونين عن خيبة أمله بعد تأخر وصول التعزيزات إلى إحدى الحسابات الميدانية.
هذا النمط من التحويلات لا يقتصر على دعم المجهود الحربي فقط، بل يشمل أيضاً شراء صمت بعض الضباط والمدنيين المؤثرين في النقاط الحدودية ومحطات التهريب.
المكالمات المسربة… أسرارٌ تتسرب عبر الأثير
في عالم اليوم الرقمي، لا شيء يظل سرياً طويلاً. فقد تداول ناشطون وصحافيون تسريبات هاتفية بين قائد الدعم السريع، عبد الرحيم دقلو، وزعماء حركات مسلحة كبرى مثل عبدالعزيز الحلو. وفي إحدى المكالمات المسربة التي فجّرت ردود فعل غاضبة داخل صفوف “التمرد”، بدا دقلو يناشد الحلو بإرسال تعزيزات عاجلة إلى مدينة الفاشر لإنقاذ فلول الميليشيا المحاصرة.
على الجانب الآخر، رد الحلو بطلب “مهلة للتشاور”، مما أعاد فتح ملف الانقسامات الإثنية والسياسية داخل الحركات المتمردة. وورد في إحدى المقاطع المسربة:
“دفعنا له ملايين الدولارات وما لقيت منه إلا التعاطف الكلامي”، هكذا لخّص دقلو إحباطه العميق.
هذه التسريبات لم تقتصر على سرد الوقائع، بل كشفت أيضاً عن حملات ضغط خارجية—تحديداً من دولة الإمارات—لضمان تمرير خطط عسكرية وإعلامية عبر دعوات ووعود كاذبة.
وعود اقتسام الثروة والسلطة… خطط تُرسم وتُهمل
مع تصاعد وتيرة القتال وتصاعد الضغط الدولي على الخرطوم، تصاعدت وعود دقلو وشركائه باستقطاب حصة من السلطة في أي تسوية سياسية مستقبلية. تمنح هذه الوعود زخماً لمعسكر دقلو داخل الدعم السريع، في حين يبقى الواقع المؤلم أن القرارات النهائية لا تزال في أروقة السلطة المدنية والعسكرية الرسمية بالخرطوم.
• الوعود المالية: تعهّد بدفع منحٍ خاصة للضباط الموالين بعد توقيع أي اتفاق
- العائد السياسي: حصة وزارية وهيئات رقابية في الحكومة الانتقالية
- السمعة الإعلامية: ضمان ظهور مؤثرين إعلاميين داعمين على القنوات المحلية والإقليمية
تركت هذه الوعود أثراً متفاوتاً بين القبول الحذر والشكوك المتبادلة، إذ يرى كثيرون أنها لا تتجاوز “حبر على ورق”.
تحالفات «الوضعاء»… نشطاء فاشلون وجنسيات مزدوجة
لا يقتصر الأمر على صفقات أموال ووعد بالسلطة، بل تشمل التحالفات تشكيلات من “الوضعاء”؛ وهم أشخاص وجماعات مترهلة السمعة:
نشطاء سياسيون فشلوا في كسب التأييد الشعبي
سياسيون من ذوي الجنسيات المزدوجة متهمين بتأجيج الصراع لمآرب شخصية
مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي ممن يسعون لمكة أرزاق بأي ثمن
هؤلاء يُجمَعون في “سوق المواقف”—حيث يعرض كلٌّ منصبه وآراؤه للبيع أمام بوابات السفارات الأجنبية، بحثاً عن تأييد خارجي أو مكاسب فردية.
سوق بيع المواقف… أمام أبواب السفارات
طوال الأيام الماضية، شهدت محيطات بعثات دبلوماسية غرب الخرطوم توافد زعماء قبليين وقيادات ميدانية، لعقد لقاءات سريعة مع موظفين استخباراتيين أو دبلوماسيين، يعرضون فيها ولاءهم أو معلوماتهم الحديثة مقابل معونات غذائية أو دخول تأشيرات الاستثمار.
تقول مراسلة ميدانية:
“شاهدت مسؤولاً أمنياً رفيعاً يفاوض على حصته من صفقة تهريب الذهب مقابل تقديم تقرير استخباراتي مزيف”.
هذا السوق المشبوه بات عنواناً لتدهور القيم الوطنية وتفشي الفساد بأبشع صوره.
تصدع التحالفات وأفق مجهول
بين أسوار الخرطوم وخيم الصحراء، تكتشف تحالفات الدعم السريع هشاشتها:
أموال طائلة تُصرف دون ضوابط
وعود باطلة تُلهي المقاتلين
تحالفات من “الوضعاء” تفتقر إلى الشرعية الشعبية
في النهاية، لا يبدو أن هذا المشهد قد يقود إلى حل يحفظ للسودان أمنه واستقراره. بل ربما يغذي دائرة جديدة من الخلافات والانتكاسات، ما لم تظهر إرادة حقيقية للتغيير وبث روح الثقة بين المكونات كافة.

