في خطاب سياسي اتسم بالوضوح والرسائل المباشرة، أطلق الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، مجموعة من التصريحات الهامة خلال مؤتمر الخدمة المدنية، تطرق فيها إلى ثلاث نقاط محورية، حملت في مضمونها رؤيته لمستقبل السودان، ومسؤولية الجميع في العبور من الأزمة الحالية نحو دولة مستقرة مزدهرة.
إصلاح الخدمة المدنية وتحريرها من السياسة
النقطة الأولى في خطاب البرهان تمثلت في دعوته الصريحة إلى إصلاح الخدمة المدنية، مؤكداً أن هذا الجهاز الحيوي لا يمكن أن يؤدي دوره ما لم يُنقّ من التوجهات السياسية والانتماءات الضيقة. وأشار إلى أن تصحيح مسار الخدمة المدنية يبدأ بإعادتها إلى مهامها الأساسية في خدمة المواطن بعيداً عن الاستقطاب السياسي الذي أدى إلى ترهلها وفقدانها للفعالية. وقد شدد على أن الدولة تحتاج إلى مؤسسات قوية ومحايدة، تعمل بمهنية وشفافية، لخدمة المواطن السوداني لا لمصالح الأحزاب.
قوة الجيش واستقلاليته عن الأحزاب
وفي النقطة الثانية، أكد البرهان على قوة القوات المسلحة السودانية ومكانتها كضامن للوحدة الوطنية وحامٍ للتراب السوداني. وأوضح أن الجيش السوداني يظل بعيداً عن الأدلجة السياسية والولاءات الحزبية، مضيفاً أن المؤسسة العسكرية ليست تابعة لأي فصيل أو حزب، بل تنتمي للوطن بكافة أطيافه. ودعا إلى عدم الزج بالمؤسسة العسكرية في معترك الصراعات السياسية، لأنها الملاذ الأخير للدولة، ورمز السيادة الوطنية.
بناء الوطن والتعبير السلمي
النقطة الثالثة والأكثر عمقاً في الخطاب، تمثلت في رؤية البرهان لبناء الوطن وكيفية التعبير السياسي. وجّه فيها نقداً لاذعاً لأساليب الاحتجاج القائمة على حرق الإطارات وإغلاق الطرق، معتبراً أن ذلك لا يخدم القضايا الوطنية، بل يساهم في تمزيق النسيج الاجتماعي. وقال عبارته الشهيرة: “المجد للبندقية”، في إشارة إلى أن الدفاع عن الوطن لا يقتصر على الجيش فقط، بل يشمل كل من حمل السلاح من أجل حماية السودان وقدم الشهداء والجرحى.
وأشار إلى أن الوقت قد حان للانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة البناء، داعياً إلى رتق النسيج الاجتماعي والابتعاد عن الجهوية والقبلية والحزبية الضيقة، التي كانت من أسباب انقسام السودان وتدهور أوضاعه. وأكد أن التعبير السلمي مكفول للجميع، وأن الوطن يسع الجميع في سبيل الإعمار والتنمية.
ثورة ديسمبر ومآلاتها
البرهان لم يغفل الإشارة إلى ثورة ديسمبر، معترفاً بأنها كانت ثورة شبابية خالصة من أجل التغيير، إلا أنه عبّر عن أسفه لتحول مسارها بفعل من وصفهم بـ”سارقي الثورة”، الذين أدخلوها في نفق مظلم من الأحقاد والانقسامات. وان القوات المسلحة شريك اصيل في هذه الثورة وضامن وحامي لهذه الثورة وأكد أن السودان يحتاج الآن أكثر من أي وقت مضى إلى وحدة حقيقية، وتجاوز مرحلة التخوين والمزايدات السياسية، وفتح صفحة بيضاء عنوانها “الوطن أولاً”.
نحو استراتيجية وطنية شاملة
وفي ختام خطابه، دعا البرهان إلى الالتفاف خلف القوات المسلحة من أجل حسم المعركة الحالية، ثم التوجه فوراً نحو وضع استراتيجية وطنية شاملة للبناء وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، تعبر عن إرادة الشعب، وتحكمها قيم وطنية خالصة. وذكر بأن النشيد الوطني ليس مجرد كلمات، بل هو عهد أخلاقي وقَسم بحماية الأرض والعرض والعمل من أجل وطن يسع الجميع.
خلاصة القول
خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان يعكس محاولة لرسم مسار جديد، يدعو إلى نبذ الصراعات والتخريب، والتوجه نحو دولة مؤسسات، يسود فيها القانون، وتحكمها قيم المواطنة والوحدة الوطنية. في وقت مفصلي من تاريخ السودان، يبقى على القوى السياسية والمدنية أن تلتقط هذه الرسائل وتترجمها إلى خطوات عملية تخرج الوطن من أزمته وتضعه على طريق الاستقرار والبناء.

