بينما لا تزال نيران الحرب مشتعلة، ومحاور القتال ممتدة في كل الاتجاهات، تعود الأسئلة الأولى لتطرح نفسها بإلحاح: من أطلق الرصاصة الأولى؟ ومن بدأ بإشعال فتيل الصراع في 15 أبريل؟ وهل حقاً هناك “طرف ثالث” يقف في الظلال، يعبث بالخيوط ويشعل الحروب؟
قدّم الكاتب ضياء الدين بلال سردًا دقيقًا ومترابطًا لمحطات تاريخية مشابهة في السودان، بدءًا من أحداث أبيي عام 2011، مرورًا بمعارك النيل الأزرق، وانتهاءً بالحرب الراهنة بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع. ويبدو من خلال استعراضه أن “الرصاصة الأولى” كثيرًا ما تُحمّل في وعي الرأي العام أكثر مما تحتمل، وتتحوّل إلى ذريعة تُخفي خلفها معارك خُطط لها بعناية.
الميدان لا يكذب
يفنّد بلال الرواية التي تدّعي أن الجيش السوداني هو من بدأ المعركة، مشيرًا إلى أن ما سبق اندلاع الحرب كان بمثابة “استعراض قوة” واضح من مليشيا الدعم السريع. تحرّكات عسكرية غير منسقة، حشود مدرعة في العاصمة، اعتقالات لقيادات عسكرية بارزة، كلها تشير إلى نية مبيتة، حسب ما يؤكده الكاتب.
ويضيف أن ما جرى في المدينة الرياضية – حيث انطلقت أولى الرصاصات حسب رواية المليشيا – لا يقارن بحجم الاستعدادات اللوجستية والعسكرية التي قامت بها قوات الدعم السريع قبل ذلك بساعات، بل وأيام.
“الطرف الثالث”.. نظرية أم تبرير؟
يلجأ البعض إلى إحياء “نظرية الطرف الثالث”، وهي تبرير تقليدي لتبرئة الجهات الرئيسية من المسؤولية، وقد استُخدمت في أكثر من مناسبة، من انقلاب 1971 إلى مجزرة القيادة العامة في 2019. لكن، بحسب بلال، فإن الأدلة والشواهد في كل تلك المحطات التاريخية – كما في الحرب الحالية – تُسقط هذه النظرية، وتكشف عن فاعلين معروفين يتحركون بوضوح.
أسئلة حائرة في وجه الجيش
رغم كل الدلائل على استعدادات المليشيا، يطرح الكاتب تساؤلًا جوهريًا تجاه الجيش السوداني: لماذا لم يرفع من جاهزيته؟ لماذا بدا وكأنه فوجئ بالهجوم؟ وهل كانت هناك رهانات سياسية خاطئة على التهدئة أو الوساطة الدولية؟ هذه الأسئلة، يعتقد بلال، أنها لم تجد بعد إجابة مقنعة من قيادة الجيش.
في تحليل ضياء الدين بلال، تتحوّل المعركة من مجرد حادثة إطلاق نار إلى سلسلة من الوقائع والخطوات التصعيدية الواضحة، التي تكشف عن نية للاستيلاء على السلطة بالقوة. وبين محاولات تبرئة بعض الأطراف، وتوجيه أصابع الاتهام نحو “طرف ثالث” وهمي، يظل الميدان شاهدًا لا يُكذّب، وسجل الأحداث لا يُمحى.

