عند عتبة العودة، تتشابك العاطفة بالحروف، ويتعثر القلم قبل أن يسطر أولى الكلمات. كيف لا، ونحن نكتب عن وطن يسكن فينا مهما ابتعدت المسافات؟ وطنٌ نشتاق إليه شوق الأرض للمطر، وتحن له أرواحنا كلما لامسنا سماءً غريبة أو أرضًا لا تشبه ترابه.
كنت أقف أمام مكتب الحجز في مكاتب الخطوط الجوية السودانية “سودانير”، أراقب التذاكر التي تحمل ختم الوطن، فتتراقص الحروف في ذهني بين صفحة جواز السفر وتذكرة العودة. هو ذاك الحنين الذي لا يُروى، حبٌ لا يُفسّر، واعتزازٌ لا يضاهيه شيء.
سودانير… الناقل والرمز
ليس مجرد ناقل جوي، بل هو روح تحمل اسم السودان في الأعالي. صقر الجديان يحلق عالياً، لا ليعبر الأجواء فقط، بل ليحمل في جناحيه تاريخاً وحكايات. سودانير، التي زيّنت سماء الاستقلال، والتي كانت ولا تزال وجهاً ناصعاً لوطنٍ نقي، لم تكن يوماً مجرد شركة طيران، بل جسراً للكرامة، وذاكرة وطن، وراية خفّاقة بين الغيوم.
صفحات المجد كثيرة، من نقل الطلاب إلى الحجاج، من فتح جسور الإغاثة في أصعب الظروف، إلى كسر الحصار عن الأشقاء في العراق وليبيا. كل رحلة كانت تروي حكاية انتماء وشهامة.
ستعود كما الوطن
مرضت سودانير كما مرض الوطن، لكنها لم تمت. وستنهض كما ينهض السودان دائماً من رماده، أقوى وأكثر إشراقًا. فالأوطان لا تموت، وما دام فيها أبناء أوفياء، فإنها ستعود إلى مجدها حتماً. وما قام به الكابتن مازن، من جهدٍ وتفانٍ في تدريب الطيارين ورعاية هذه المؤسسة العريقة رغم الظروف القاسية، ما هو إلا دليل على أن الأمل لا يزال حيًا.
نهمس في أذن سودانير: “اصمدي، فالعين تترقبك، والقلوب تنبض باسمك، وستعودين كما عهدناك، فوق الشمس وبين النجوم”.
وطنٌ في السماء… ووطنٌ في القلب
وإن سألوني عن الحنين، سأقول: هو وطنٌ اسمه السودان، نراه في السماء كلما حلقت سودانير، ونحمله في قلوبنا حيثما ذهبنا. سـنعود، حتماً نعود، وسيرفرف صقر الجديان فوق أرض العزة والمجد.

