28.5 C
Port Sudan
الأحد, مايو 24, 2026

حاتم حسن احمد ..يكتب..الإعمار ام الضياع الكبير؟ لماذا يظل اعمار السودان مؤجلا رغم أن ساعة التنفيذ ازفت

 لم تعد قضية إعمار السودان بعد الحرب ملفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد التسويات والموازنات والمحاصصات، بل أصبحت قضية وجود دولة وبقاء شعب واقتصاد فكل يوم يمر دون مشروع وطني واضح للإعمار يعني اتساع دائرة الانهيار، وتآكل ما تبقى من البنية الاقتصادية والاجتماعية، وتكريس واقع الفوضى والعجز والتشظي.
  المؤسف أن الدولة السودانية، حتى هذه اللحظة، ما تزال تتعامل مع ملف الإعمار بذهنية ردود الأفعال، لا بعقلية الدولة التي تخطط للمستقبل فلا توجد رؤية قومية معلنة، ولا مؤسسات متخصصة تقود الملف، ولا خارطة أولويات واضحة، ولا حتى خطاب تعبئة وطنية يستنهض السودانيين في الداخل والخارج للمشاركة في معركة البناء.
  إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الحروب ليس الدمار نفسه، بل غياب الإرادة السياسية والمؤسسية لإعادة البناء فالحروب تهدم في سنوات، لكن سوء الإدارة قد يمنع النهوض لعقود كاملة.
لقد تعرض السودان لخسائر كارثية في البنية التحتية والخدمات والإنتاج دُمرت الطرق والجسور والمستشفيات والمدارس وشبكات الكهرباء والمياه، وتوقفت آلاف المصانع والمزارع والأسواق، وخرجت مؤسسات كاملة من الخدمة، بينما نزح الملايين وفقد الاقتصاد قدرته على الإنتاج والتصدير والتشغيل ومع ذلك، لا يزال الحديث الرسمي عن الإعمار باهتاً وخجولاً، وكأن البلاد لم تمر بأكبر كارثة اقتصادية وإنسانية في تاريخها الحديث.
 إن إعمار السودان لا يجب أن يكون مجرد حملة إسعافية لترميم المباني، بل مشروعاً تنموياً وطنياً شاملاً لإعادة تأسيس الدولة والاقتصاد على أسس جديدة. فالحرب ـ رغم قسوتها ـ يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق لبناء سودان مختلف، إذا توفرت الرؤية والكفاءة والإرادة.

ولكي لا يتحول “إعمار السودان” إلى مجرد شعار عاطفي أو باب جديد للفساد والسماسرة، فإن هناك أولويات لا بد من الانطلاق منها بوضوح وحسم.
أولى هذه الأولويات هي تأسيس مجلس قومي أعلى للإعمار والتنمية، يتمتع باستقلالية كاملة، ويضم خبراء اقتصاديين ومهندسين ومخططين ومختصين في التمويل والقانون والإدارة، من داخل السودان وخارجه، بعيداً عن المحاصصات السياسية والترضيات الحزبية فالإعمار مهمة وطنية علمية لا وظيفة بيروقراطية تقليدية.
كما يجب أن يُدار الملف بمنهجية مؤسسية صارمة، تقوم على التخطيط العلمي، وتحديد الأولويات وفق الاحتياج والعائد الاقتصادي والاجتماعي، لا وفق النفوذ السياسي أو الجغرافي.
فالمرحلة الأولى يجب أن تركز على إعادة الخدمات الأساسية الكهرباء، المياه، الصحة، التعليم، الطرق، والاتصالات، باعتبارها القاعدة التي لا يمكن لأي نشاط اقتصادي أن يقوم بدونها.
ثم تأتي مرحلة استعادة عجلة الإنتاج، خاصة في القطاعات التي يملك فيها السودان ميزات نسبية ضخمة أهملها لعقود طويلة، وعلى رأسها الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية.
فالسودان ليس دولة فقيرة في الموارد، بل دولة فقيرة في الإدارة والرؤية واستثمار الإمكانيات ويمتلك السودان كل المقومات التي تؤهله لأن يتحول بعد الحرب إلى واحدة من أكبر الاقتصادات الإنتاجية في إفريقيا والعالم العربي، إذا تم توظيف موارده الطبيعية الهائلة بطريقة حديثة وعلمية.
ومن هنا، فإن الإعمار الحقيقي يجب أن يقود إلى إعادة هيكلة الاقتصاد السوداني بالكامل، عبر التحول من اقتصاد ريعي هش إلى اقتصاد إنتاجي متنوع يعتمد على القيمة المضافة والتصنيع والتصدير.
كما يجب إغلاق الباب تماماً أمام سماسرة الإعمار والمفسدين الذين يحولون الكوارث الوطنية إلى مواسم للثراء الحرام فالتجارب حول العالم أثبتت أن الفساد هو العدو الأول لبرامج إعادة البناء.
ولهذا، لا بد من تطبيق أعلى معايير الشفافية والضبط المالي والرقابة والمراجعة، مع إعلان كل العقود والمشروعات ومصادر التمويل للرأي العام، وإنشاء منصات إلكترونية مفتوحة لمتابعة تنفيذ المشروعات وتكلفتها ونسب الإنجاز فيها.
من المهم كذلك ألا يُختزل ملف الإعمار في موظفي الدولة وحدهم، مهما كانت خبراتهم، بل يجب إطلاق نداء وطني واسع للكفاءات السودانية في الداخل والخارج، فالسودان يزخر بعقول وخبرات نوعية في الاقتصاد والهندسة والاستثمار والتخطيط والعلاقات الدولية وإدارة المشروعات الكبرى وهؤلاء يمكنهم لعب دور محوري في إعداد الخطط والبرامج والاتفاقيات والشراكات الدولية وتحويلها إلى مشروعات واقعية قابلة للتنفيذ، بينما يكون دور الأجهزة الحكومية هو المساندة والتنسيق والمتابعة والرقابة.
لقد نهضت دول كثيرة من تحت الركام بعد الحروب، لأن لديها إرادة ورؤية. فاليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ورواندا بعد الإبادة الجماعية، وفيتنام بعد الحرب، كلها تجارب تؤكد أن الدمار ليس نهاية الدول، بل قد يكون بداية جديدة إذا أحسنت القيادة إدارة مرحلة ما بعد الحرب.
أما السودان، فإنه يملك فرصة تاريخية نادرة ليحول مأساة الحرب إلى مشروع نهضة وطنية شاملة، لكن ذلك لن يحدث بالشعارات والخطب واللجان الموسمية، وإنما عبر مشروع قومي حقيقي يبدأ الآن، لا غداً.
فالتأخير في الإعمار لم يعد مجرد تقصير إداري، بل خطر استراتيجي يهدد مستقبل السودان كله.
وإذا لم تتحرك الدولة سريعاً بعقلية جديدة ورؤية جديدة وأدوات جديدة، فقد يأتي يوم يصبح فيه الحديث عن “إعمار السودان” مجرد ذكرى في “خبر كان”.

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا