لم تكن كسلا يوماً مجرد مدينة على خريطة الشرق، بل كانت دائماً قلباً مفتوحاً للسودان كله. احتضنت النازحين حين ضاقت بهم الولايات، وفتحت بيوتها قبل أن تفتح معسكراتها، وكانت الملاذ الآمن حين صار الأمان عملة نادرة.
لهذا لم يكن غريباً أن تُوقع فيها وثيقة للتآخي والسلم المجتمعي، ولم يكن غريباً أن يجلس فيها الناظر والوكيل والشيخ والشاب والمرأة على طاولة واحدة، ليقولوا كلمة واحدة: كفى.
كفى للفتنة
كفى لخطاب الكراهية الذي يخرج من هاتف صغير، فيحرق مدينة كاملة.
كفى للصغائر التي نكبّرها، وننسى بها الكبائر التي تهدد وجودنا جميعاً.
ما حدث في كسلا لم يكن مجرد احتفال توقيع. كان إعلاناً أخلاقياً وسياسياً واجتماعياً بأن أهل الشرق قرروا أن يمسكوا بزمام أمرهم بأيديهم.
وثيقة المجلس الأعلى للتعافي والصلح الاجتماعي لم تأتِ من فراغ. جاءت لتقول إن السلم ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، بل التزاماً صارماً. ومن يخرقه، سيواجهه المجتمع كله بالعزل والمقاطعة. وهذه – في تقديري – هي أقوى فقرة في الوثيقة، لأنها تنقل المسؤولية من الدولة وحدها إلى المجتمع كله. فحين يقول المجتمع “لا” للمحرّض والقاتل وصانع الفتنة، لن يجد الفتنة من يحملها.
والأجمل أن الوثيقة لم تُغلق بابها على أحد. قالت بوضوح: الباب مفتوح، والفرص متساوية، والانتماء للسلم لا يحتاج إلى نسب ولا قبيلة، بل يحتاج إلى نية صادقة.
رسائل رئيس المجلس الدكتور النور الشيخ النور كانت في مكانها. حين طلب من رجال الدين أن يكونوا أطباء لتضميد الجراحات، كان يضعهم أمام دورهم الحقيقي. فالكلمة الحسنة في زمن الفتنة ليست ترفاً، بل دواء. وحين طلب من الإدارات الأهلية أن تعمل بالحكمة والصبر، كان يعلم أن رتق النسيج أصعب من تمزيقه، وأن بناء الثقة يحتاج سنوات، بينما هدمها يحتاج لحظة غضب واحدة.
أما حديث الناظر عبد القادر شكيلاي، ناظر عموم الحلنقة، إنابة عن مجتمعات كسلا، فقد كان هو الضمان الحقيقي للوثيقة. فالوثائق لا تحميها الأوراق، بل يحميها الرجال الذين يوقعون عليها ويقفون خلفها. وتوقيع الحلنقة والبني عامر والهدندوة معاً، ليس توقيعاً بروتوكولياً، بل رسالة لكل من يراهن على انقسام الشرق: لقد انتهى زمن الرهان.
ودعوة مولانا دوسة للالتفاف حول القوات المسلحة، ودعوة الوالي اللواء الصادق الأزرق لوحدة الصف ومحاربة العنصرية، تضع النقاط على الحروف: لا سلم بلا دولة، ولا دولة بلا مجتمع متماسك.
يبقى السؤال الأهم: ماذا بعد التوقيع؟
التوقيع هو البداية، وليس النهاية. الوثيقة ستمتحن في أول خلاف في سوق، وأول مشكلة في حي، وأول منشور محرّض في وسائل التواصل. هناك سيعرف الناس هل كنا جادين أم كنا نحتفل فقط.
المطلوب الآن أن تتحول الوثيقة إلى لجان حية في الأحياء، وإلى مناهج في المدارس، وإلى خطب في المساجد والخلاوي، وإلى مبادرات شبابية تجمع لا تفرق، وإلى إعلام يبني ولا يهدم.
كسلا فعلت ما عليها، وقدمت نموذجاً لبقية السودان. فإذا نجح هذا النموذج هنا، سينجح في كل مكان، لأن جرح السودان واحد، ودواءه واحد: أن نعود إخوة، كما كنا، وكما يجب أن نبقى.

