السليمانية – أسماء الحسيني
تتواصل في مدينة السليمانية بإقليم كردستان العراق فعاليات الدورة التاسعة والعشرين من مهرجان «كلاويش» الثقافي، تحت شعار «كلاويش.. منبر لحوار الثقافات»، وتحمل اسم الشاعر والأديب الكردي الراحل سامي هادي، تقديراً لمسيرته وإسهاماته الثقافية والإبداعية.
وتشهد الدورة مشاركة نحو 200 شخصية من الأدباء والمفكرين والأكاديميين والفنانين والإعلاميين من كردستان والعراق وعدد من الدول العربية والأجنبية، في تظاهرة ثقافية وفنية واسعة تسعى إلى تعزيز الحوار بين الثقافات، وفتح آفاق جديدة للتواصل والتبادل المعرفي والإبداعي.
وتتصدر برنامج المهرجان قضية «دور أدوات القوة الناعمة في بناء الثقافة»، من خلال سلسلة من الندوات والجلسات الفكرية التي تناقش دور الدبلوماسية والإعلام والتعليم والجامعات والأدب والفنون والتكنولوجيا في تشكيل الوعي وتعزيز العلاقات بين الشعوب.
وشهد حفل الافتتاح كلمات لعدد من الشخصيات الرسمية والثقافية، ومشاركات شعرية للشاعر الكردي قوباد جلي زادة، والشاعرة الألمانية أوندينة ماتيرني، والشاعر العراقي عمر السراي، والشاعر الإيراني علي أصغر قنبري زاده، إلى جانب عرض موسيقي وغنائي لفرقة «راستاك» الإيرانية، ومعارض للكتاب والفن التشكيلي والتصوير الفوتوغرافي، وعرض مسرحي.
وحظي محور القوة الناعمة بحضور بارز في جلسات المهرجان، حيث شاركت الكاتبة الصحفية أسماء الحسيني، مدير تحرير صحيفة الأهرام والمتخصصة في الشؤون الإفريقية والعربية، بورقة بعنوان «القوة الناعمة ودورها في تعزيز العلاقة المصرية والكردية»، تناولت فيها أهمية الرصيد التاريخي والثقافي والإنساني المشترك بين مصر والشعب الكردي، ودور الثقافة والفنون والإعلام والتبادل المعرفي في تعزيز التقارب بين الجانبين، وتوسيع آفاق التعاون والتفاهم المشترك.
وأدارت الجلسة الدكتورة دانا أحمد مصطفى، وشارك فيها الدكتور قطب الدين صادقي بمداخلة حول تأثير ووظائف الفن بوصفه أداة للقوة الناعمة في العالم، والدكتور عادل محمد كريم، الذي تناول دور الأغنية الكردية باعتبارها قوة ناعمة ومؤثرة في الحفاظ على الهوية القومية.
كما شهدت جلسات المحور مشاركات أكاديمية وفكرية متنوعة، من بينها ورقة الدكتورة كارولا ريختر من ألمانيا حول القوة الناعمة للدبلوماسية الإعلامية الألمانية في أوقات التبادل الثقافي، والدكتورة نادين سهيل حسن حول التربية والجامعات وصناعة القوة الناعمة في عالم متغير، ومحمد حمه صالح توفيق حول مجتمعات ما بعد الإبادة الجماعية والسلوك والثقافة.
وفي جلسة أخرى، تناول فرهاد حيدري كوران نظرية القوة الناعمة لجوزيف ناي ودور الرواية الحديثة، فيما قدم الدكتور جرو شهاب ورقة حول أساليب تنظيم الفعاليات ودورها في بناء التبادل الثقافي، وناقش الدكتور إيهاب عنان تأثير الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل القوة الناعمة، كما تناول عادل علي سلام مفهوم القوة الناعمة والهيمنة بلا إكراه.
وشملت النقاشات كذلك موضوعات تتصل بالإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وصناعة التأثير الثقافي، ودور التكنولوجيا الحديثة في إعادة تشكيل أدوات القوة الناعمة.
ملتقيات الشعر والقصة.. تنوع إبداعي عابر للحدود
وامتدت فعاليات المهرجان إلى الأدب والإبداع، حيث احتضن ملتقى «هيمن لطيف» للشعر، بإدارة ديار لطيف، مشاركات لعدد من الشعراء، من بينهم قادر شيري من ألمانيا، ونايف محمود من دهوك، وزانا صلاح صالح من جمجمال، وزريان خورشيد من السليمانية، وأكرم لحمد من گرميان، وآلان شيركو حسين من السليمانية، وديار خليل نريمان من جمجمال، وسوران هانيد عبدالله من كوية، وهيمن عمر من السليمانية، وشكار محمد من كلار، وكمال عثمان علي من السليمانية.
كما نظم المهرجان ملتقى «جليل كاكه ويس وطه أحمد رسول» للقصة، بمشاركة مجموعة من القصاصين، من بينهم ژوان باقي من السليمانية، وچيا برويزپور من سنندج، ومهاباد أنور من دهوك، وسپيدة صالحي من جوانرو، وحمه قادر المقيم في فرنسا، وفوزية سوسوري من سنندج، وأرفين أوميد من أربيل، حيث قدموا نماذج من تجاربهم القصصية والإبداعية التي تعكس تنوع البيئات الثقافية والإنسانية.
وشهد البرنامج كذلك توقيع ديوان «الانتظار تلون بالنار» للشاعر نوزاد علي أحمد، إلى جانب فعاليات بحثية وأدبية، ومعارض فنية وتشكيلية وتصويرية بمشاركة فنانين من بلدان مختلفة، فضلاً عن عروض مسرحية وموسيقية وفنية.
ويواصل مهرجان «كلاويش» ترسيخ مكانته باعتباره أحد أبرز المنابر الثقافية في إقليم كردستان، ومن الفعاليات الأدبية التي حافظت على انتظامها منذ عام 1996، مستنداً إلى إرث مجلة «كلاويش» التي أصدرها السياسي والأديب الكردي إبراهيم أحمد في بغداد خلال أربعينيات القرن الماضي.
وتحمل الدورة التاسعة والعشرون رسالة تتجاوز حدود الاحتفاء بالأدب والفنون، لتؤكد أهمية الثقافة بوصفها جسراً للتواصل بين الشعوب، وأداة لبناء الثقة وتعزيز التفاهم والتعايش، في عالم تتزايد فيه الصراعات والانقسامات.
ويؤكد المهرجان أن القوة الناعمة الحقيقية لا تنبع من امتلاك أدوات التأثير وحدها، وإنما من القدرة على بناء جسور إنسانية وثقافية مستدامة، واحترام التنوع والهوية، وفتح مساحات مشتركة للحوار والإبداع والسلام.

