تمثل العودة الطوعية بارقة أمل لآلاف الأسر السودانية في القاهرة، التي أنهكتها الظروف الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، ولم يعد أمام كثير منها سوى التمسك بأمل العودة إلى الوطن. لكن أهمية هذا المشروع الإنساني تفرض سؤالاً جوهرياً: هل تسير الإجراءات بالمستوى الذي يليق بحجم معاناة المواطنين وحاجتهم إلى العودة؟
بدايةً، لا يمكن إنكار الجهود التي بذلتها لجنة الأمل والقائمون على المبادرة، ولا التقليل من أهمية ما تحقق في سبيل تسهيل عودة السودانيين. غير أن الإشادة بالجهود لا تعني إعفاء القائمين عليها من واجب التوضيح، كما أن تقدير المبادرة لا ينبغي أن يكون مبرراً لتجاوز الأسئلة المشروعة.
كيف تُدار إجراءات العودة؟
هذا هو السؤال الذي يحتاج إلى إجابات واضحة، بعيداً عن العموميات. كيف تتم عملية التسجيل عبر النظام الإلكتروني؟ وما الضوابط التي تحكم اعتماد أسماء المستفيدين؟ ومن يتولى مراجعة الأعداد النهائية للمسافرين ومطابقتها مع الباصات المخصصة والتصاريح الرسمية الصادرة عن السفارة السودانية؟
وإذا كانت هناك زيادات في أعداد المستفيدين أو الباصات، فما الجهة التي تعتمدها، وما الآلية التي تضمن توثيقها ومراجعتها؟ أسئلة إجرائية لا تحمل اتهاماً لأحد، لكنها تمس صميم التنظيم، ومن حق المواطنين معرفة الإجابات عنها.
أما ما يتردد بشأن توزيع التذاكر عبر مناديب الأحياء، وهي أحاديث لم يتسنَّ التحقق منها، فإن تجاهلها لا يبدد الالتباس، بل يترك المجال مفتوحاً للتأويل. والتوضيح الرسمي هنا ليس ترفاً إعلامياً، وإنما ضرورة لحماية سمعة المبادرة وصون حقوق المستفيدين.
المبادرات الإنسانية لا تُدار بالغموض
المواطن الذي ينتظر دوره في العودة لا يحتاج إلى وعود عامة بقدر حاجته إلى إجراءات معلومة، ومعايير عادلة، ومعلومات دقيقة بشأن فرص السفر. ومن غير المقبول أن تظل الأسئلة المتعلقة بالتسجيل والأعداد والتذاكر بلا إجابات واضحة، بينما تتعلق بها آمال أسر أنهكها الانتظار وضيق الحال.
إن أي مشروع بهذا الحجم يحتاج إلى نظام معلن للمراجعة والمتابعة، يوضح المسؤوليات، ويضبط الإجراءات، ويتيح معالجة الشكاوى والتظلمات. فالشفافية ليست تشكيكاً في النوايا، والرقابة ليست انتقاصاً من جهود العاملين، بل هما ضمانتان لنجاح العمل وحمايته من الأخطاء والالتباسات.
ولجنة الأمل، بما تحمله من مسؤولية تجاه المواطنين، مطالبة بأن تجعل من توضيح هذه الإجراءات جزءاً أصيلاً من عملها، لا أن تترك الأسئلة تتراكم أو تكتفي بالإشارة إلى الجهود المبذولة.
فالعودة الطوعية أكبر من أن تُختزل في تسيير الباصات، وأهم من أن تُدار بالمعلومات الناقصة. إنها مسؤولية تجاه مواطنين يبحثون عن طريق آمن ومنظم إلى وطنهم، ومن حقهم أن يعرفوا كيف تُدار فرص عودتهم، وعلى أي أساس تُمنح، ومن يراقب سلامة الإجراءات.
إن ما نطالب به ليس التشكيك في المبادرة، بل حمايتها من كل ما قد يضعف الثقة فيها. فالجهد الصادق لا يخشى السؤال، والعمل المنظم لا يضيق بالرقابة، ومن يضع مصلحة المواطن في مقدمة أولوياته يدرك أن الوضوح ليس عبئاً إضافياً، بل جزء من المسؤولية.
العودة إلى الوطن حق وأمل، وتنظيمها أمانة. أما الشفافية، فليست منّة من القائمين على المبادرة، بل حق للمواطن الذي ينتظر دوره، وواجب على كل من يتولى إدارة هذا الملف.

