30.9 C
Port Sudan
الأربعاء, نوفمبر 4, 2026

“ياهو طربنا٠٠ياهو غنانا”..بقلم..رندة المعتصم اوشي

وانت تصغي بنشوة وامتاع لصفو الغناء السوداني ، يصيبك شيء من دهشة ، يلح عليك سؤال لا يبرح الذاكرة عن هذا الفن الاصيل ، ومصادره ٠
التاريخ العربي القديم يعج بنهضة ، بل طفرة في ادب الغناء وصنعته ، وفي الفن الموسيقى ايضا٠ كان الغناء هو الوجه الحضاري للثقافة العربية ٠
كان الشاعر يغني اشعاره ، والاعشى شاعر وموسيقار ، يضرب على الة الصنج، يغني ما كتب، ينثره في المجالس٠
وعلقمة بن عبدة (الفحل) كان
يغني اشعاره في مجالس الامراء المناذرة٠
وعدي بن زيد العبادي ، الشاعر ، السفير ، المترجم في بلاط النعمان بن المنذر يكتب:
“أطيب الطيب طيب أم علي
مسك فار وعنبر مفتوق “
تمس الكلمات اللطيفات الغر قلب النضر بن الحارث القرشي، المكي،
يخضعها للحن بديع ، والنضر هذا
جاء الى امارة الحيرة ، كان يتلقى علوم الموسيقى على يد كبار الموسيقيين ٠ انه التاريخ المستتر٠
الشاهد في ما انشد عدي بن زيد
“وعنبر مفتوق” ، والعنبر المفتوق
هو العطر السوداني ، هو “الخمرة”، براءة كشف سوداني ، عصي عن المحاكاة٠
كانوا يغنون لزينة المراة من حلي ، وثياب ، وعطر٠
انشد امرؤ القيس:
” اذا قامت تضوع المسك منها
نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل”
وفي ليالي السودان البهية كان المغني يرفع صوته المديد، يعبر الى فضاءات من التطريب قاصية:
” نقرت الباب فتح
فاحت روايح الجنة”
ولك ان تتأمل الموسيقى الشعرية الداخلية لهذا النص الغنائي المبهر ، على قصره ، بين نقر للباب ، وفوح لروائح الجنة٠
وسماعين حسن ، ود حد الزين ،
كتب:
” تبكي من الطريحة تقول تقيلة
نفيسك شمعو جوا الفتيله”
واسماعيل حسن المهندس ، انما هو تربال عظيم ، سكب حار احاسيسه على القرطاس،
جعل في هذا النص البديع انفاس الحبيب عطرا ، يحفظ في “الفتيله”٠
النص ذو صلة بصورة
مماثلة كتبها الشنفرى الاذدي ، احد كباب شعراء الصعاليك العرب الجاهليين قال:
“فبتنا كأن البيت حجر فوقنا
بريحانة ريحت عشاء وطلت”
هو ذات المعنى الذي اراده سماعين حسن ، ذكر الريحانة وقد غشاها طل ورذاذ ، فنشرت فوائح طيبها٠٠لكن عبقرية اسماعيل حسن اجرت “سودنة”،
“توطين” للصورة٠
ثم نعود ، نفتح نوافذ الغناء السوداني٠ عبدالله البنا كان يغني اشعاره ، كان تجواله بين حي ود البنا ورفاعة والبطانة باعثا ، مثيرا ، يستجيب لها روح الشاعر ، فيذكر نعيم “أزمانه “، و “بهجة ام درماني” وحبيب طال صده :
” طرفي قصدو يراك
ما قصدت تراني
ما بسيب حبك
والله لو ضراني”
وعبدالرحمن الريح ، مشكاة اضاءت قلوب اهل حي العرب ، بل السودان كله ، بادية وحضر ٠
وفي الدار الصغيرة العامرة بالشعر والموسيقى والغناء ، كان
وهج دراري الغناء الرصين يشع،
والشاعر المغني ، يكتب ، يغني٠
وقد لا يمكننا الاحاطة بالمنتج الابداعي لهذا العبقري ، وانك لا تستطيع ايثار اغنية ، فكلها ، كلها
من جلائل الابداع والخلق الغنائي
السوداني٠
كان الموصلي عبقري زمانه ،
صانع الاصوات الغنائية الموسيقية العربية، المشرقية، شغل الدنيا ٠ وها نحن بين يدينا
عبدالرحمن الريح ، (زول) من عامة اهل السودان ، لم يغني في مجالس الامراء ، ومن دار صغيرة (كبيرة) ، في احد احياء
امدرمان ، ومتجر صغير ( ورشة)
كانت تصمم ، ترسم اعذب لوحات الغناء ، فتأمل!!
صديقي هذا امر يطول فيه الحكي المستعذب٠
كن معي جولة اخرى ، نطوف على ابداعات ود الفكي في كبوشية ، والمساح في الجزيرة،
احمد ابراهيم الطاش في “الثغر” ود القرشي في الابيض ، ننعم بالمردوم والجراري والعجكو
نغني :
“يا طبيق الريحة
الريدة ليك صحيحة”
نقضي بعض زمان مع :
” زولن سنونا بروق
في محكمة زانوق”
أعدك بحلقات أخر ، ان شاقك ما طرحت عليك ٠

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا