يشهد المشهد السوداني تحولات متسارعة على الصعيدين العسكري والسياسي، تزامناً مع تغييرات في قيادة الجيش السوداني وتصاعد الجهود الدبلوماسية لإنهاء الأزمة.
وفي هذا السياق، استضاف برنامج السودان في الصحافة العالمية على منصة (اسانيبر) نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الإفريقية والمساعد الأسبق لوزير الخارجية المصري، وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير الدكتور صلاح حليمة، لقراءة دلالات تلك التحولات، وتفكيك مسارات المبادرات الدولية، وتسليط الضوء على تطورات الأوضاع الإنسانية والتدخلات الإقليمية في السودان.
إلى نص الحوار:
حوار:افراح تاج الختم
بدايةً سعادة السفير .. أصدر رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان قرارات بإعادة تشكيل رئاسة هيئة الأركان للجيش السوداني ما دلالة هذه الإجراءات في هذا التوقيت تحديداً؟
أعتقد أن هذه التغييرات تتماشى تماماً مع طبيعة الصراع العسكري الراهن، في الفترة الأخيرة، أثبتت القوات المسلحة السودانية قدرتها على إحراز انتصارات ميدانية في مناطق مختلفة هذا التغيير يمثل بداية مرحلة “الحسم العسكري”، و يعزز من هذه الانتصارات ويدفع نحو تحقيق الأمن والاستقرار في المناطق التي تسيطر عليها القوات المسلحة، وذلك في ظل نظام معترف به إقليمياً ودولياً.
هل يعكس تعيين الفريق أول ياسر العطا رئيساً للأركان تحولاً نحو خيار الحسم العسكري كبديل للمسار السياسي؟
المؤسسة العسكرية السودانية تسير الآن في اتجاهين متوازيين؛ الاتجاه الأول يتمثل في مواصلة العمليات العسكرية طالما لم تستجب قوات الدعم السريع والقوى السياسية المتحالفة معها لمقررات “منبر جدة”، والتي تنص بوضوح على ضرورة انسحاب الدعم السريع من الأعيان المدنية والتجمع في معسكرات خارج المدن.
أما الاتجاه الثاني، فهو المسار السياسي والدبلوماسي الذي يسير بالتوازي ، أعتقد أن القيادة العسكرية تأخذ في اعتبارها الرؤية الشاملة للأزمة، وتعمل على المسارين معاً لتحقيق الاستقرار.
كيف تقرأ الوساطات الدولية الجارية الآن، والمبادرات المتعددة المطروحة ؟
واقع الأمر أن هناك مبادرات عديدة طُرحت من جانب دول ومنظمات إقليمية ودولية، لكن لم ينتهِ أي منها إلى تقدم ملموس باستثناء “منبر جدة”. وحتى المبادرة المصرية التي عُقدت في يوليو 2024، والتي كانت تعالج أربعة مسارات (أمني، إنساني، سياسي، وإعادة الإعمار)، توقفت عند المسار الإنساني بسبب خلافات بين المكونات المدنية السودانية.
نحن الآن أمام مشهد جديد تتبناه “الرباعية الدولية”، والتي تكاد تتبنى نفس المبادرة المصرية مع بعض التعديلات. لكن المشكلة أن الرباعية تتحدث عن تنفيذ المسارات بشكل “تدريجي” (أمن ثم مساعدات ثم سياسة)، وهذا ثبت فشله وجعلنا ندور في حلقة مفرغة. إذا أرادت الرباعية النجاح، يجب أن يكون التطبيق للمسارات الأربعة “بالتوازي”، وهو ما تدعو إليه مصر.
الحكومة السودانية تبدي تحفظات مستمرة على مشاركة دول بعينها في “الرباعية الدولية” (في إشارة للإمارات).. كيف يمكن تجاوز هذا المأزق؟
لحدوث توافق يجب إدخال تعديلات على الآلية الرباعية، هناك تقاطعات وخلافات في المواقف بين أعضاء الرباعية أنفسهم لكن، ما تشهده المنطقة اليوم من تطورات وتصعيد (مثل الصراع الإيراني-الأمريكي-الإسرائيلي، والتوترات في الخليج والبحر الأحمر) قد يكون دافعاً لهذه الدول لتعيد حساباتها.
التوترات الإقليمية قد تدفع الدول الداعمة للميليشيات نحو تبني موقف يدعم التسوية السلمية وإعادة الإعمار بدلاً من استمرار تأجيج الصراع، لأن تمدد الصراع بات يهدد الأمن القومي للمنطقة بأسرها.
بالانتقال إلى الرمزية السياسية.. عادت مكاتب وكالات الأمم المتحدة للعمل من السودان مؤخراً. هل يُعد هذا اعترافاً دولياً ضمنياً باستقرار الأوضاع الأمنية في الخرطوم ؟
بلا شك، هذا مؤشر قوي على أن الأوضاع في الولايات الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة باتت مستقرة وآمنة ،وبالتالي يمثل اعترافاً واقعياً بالنظام القائم. وقد نتج عن هذا الاستقرار عودة طوعية لأعداد كبيرة من النازحين، وهو ما يتطلب بدوره توفير خدمات أساسية.
عودة المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة جاءت لتلبية هذه الاحتياجات، و الخطوة شجعت منظمات أخرى على العودة.
على ذكر المنظمات، وصل وفد من الاتحاد الإفريقي لبحث إعادة افتتاح مقره في الخرطوم هل لايعني ذلك اقتراب رفع تجميد عضوية السودان بالاتحاد؟
الخطوة تعتبر تمهيداً مهماً لعودة السودان للاتحاد الإفريقي، قرار تجميد العضوية كان محل مراجعة مؤخراً، وفي اجتماعات مجلس السلم والأمن الإفريقي التي ترأستها مصر الشهر الماضي، تم طرح موضوع الأزمة السودانية بقوة، وكانت هناك محاولات جادة لإنهاء التجميد. ما يجري الآن من عودة للمكاتب الإفريقية والدولية يعزز فرص إحلال السلام واستعادة السودان لموقعه الطبيعي.
في الملف الإنساني، قررت الحكومة السودانية فتح معبر “أدري” لإيصال المساعدات. كيف توازن الحكومة بين تأمين تدفق الإغاثة ومنع استغلال المعبر لإمداد “الدعم السريع” بالسلاح؟
قرار فتح المعبر خطوة إيجابية وبناءة من الحكومة السودانية، وتعكس مسؤوليتها تجاه شعبها، خاصة مع وجود ملايين النازحين الذين يحتاجون لمساعدات عاجلة (غذاء، دواء، تعليم).
لكن التحدي الأكبر يكمن في الرقابة؛ هناك اتصالات إقليمية ودولية تجري حالياً لدفع الدول لوقف دعمها العسكري للميليشيات.
استغلال المعابر لتهريب السلاح والمرتزقة هو أمر مدان، ويجب تفعيل آليات رقابة صارمة، بالتنسيق مع دول الجوار، لضمان أن تُستخدم المعابر للإغاثة الإنسانية فقط.
بالحديث عن استغلال المرافق، استهدفت ميليشيا الدعم السريع مؤخراً “مستشفى الجبلين” بالمسيرات، وسقط ضحايا مدنيون ، كيف يُقرأ هذا التصعيد المستمر من قبل المليشيا ا؟
ما تفعله قوات الدعم السريع هو سياسة ممنهجة منذ بدء الأزمة، وقصف المستشفيات والأعيان المدنية هو إدانة صريحة وواضحة ترقى لمرتبة “جرائم حرب” و”جرائم ضد الإنسانية” و”إبادة جماعية”.
تلك الجرائم لا يجب أن تمر دون عقاب، ومن الضروري تقديم ملفات هذه الانتهاكات إلى المحكمة الجنائية الدولية. والأهم من ذلك، أن الدول التي توفر الدعم العسكري واللوجستي لتلك القوات يجب أن تُدان بنفس المستوى، لانها شريك أساسي ومباشر في هذه الجرائم.
تقارير عديدة تتحدث عن إمدادات عسكرية تتلقاها الدعم السريع من شرق ليبيا وتشاد. كيف يؤثر ذلك على سير المعارك، وهل من ضغوط إقليمية لوقف ذلك؟
هناك اتصالات رفيعة المستوى تجري على الصعيدين الإقليمي والدولي لوقف الدعم. التحركات الدبلوماسية المصرية، بالتنسيق مع دول مثل تركيا والسعودية، تهدف للضغط على الجهات في شرق ليبيا لوقف إمداد الدعم السريع، لأن هذا يهدد الأمن القومي المصري والليبي والسوداني بشكل متساوٍ.
استمرار هذا الدعم، سواء من شرق ليبيا أو غيرها، يطيل أمد الحرب ويهدد بتمزيق السودان.
ختاماً سعادة السفير، ما هي الخطوة الحاسمة والمفصلية التي تراها ضرورية للوصول إلى تسوية سياسية شاملة وحكومة انتقالية في السودان؟
: الخطوة الأهم والتي لا تنازل عنها هي “فك الارتباط” العضوي بين الكيانات العسكرية والقوى السياسية المدنية. يجب إنهاء التحالف بين “الدعم السريع” والقوى السياسية المؤتلفة معها (تحالف تأسيس)، وكذلك إنهاء أي ارتباط بين القوات المسلحة والقوى المدنية المتحالفة
إذا تم فك هذا الارتباط؛ يمكن وقتها دمج ميليشيا الدعم السريع وفق نظام (DDR) “نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج”، وتطوير القوات المسلحة لتكون جيشاً وطنياً مهنياً وحيداً. حينها فقط، يمكن تشكيل حكومة انتقالية من كفاءات مستقلة، وصياغة دستور مؤقت، والتمهيد لانتخابات حرة ونزيهة تعيد السلطة للشعب السوداني.

