مرفأ الكلمات
عثمان عولي
في ظل التصعيدات المتكررة، يتساءل الكثيرون: لماذا لا يرد السودان على الاستفزازات الإماراتية بالمثل؟ ولماذا لا يتم التعامل بندية مع ما تعتبره الخرطوم تدخلاً فجًّا في شؤونها الداخلية؟ الجواب يكمن في ما يشبه رقعة شطرنج سياسية دقيقة، تلعب فيها الخرطوم دور الدولة العاقلة لا المندفعة، في مواجهة خصوم يسعون لجرّها إلى معركة في توقيت وشكل يختارونه هم.
الرد ليس غائبًا… بل مؤجل بحكمة
رغم تصاعد الحملات الإعلامية، والتحركات المشبوهة في الإقليم، لا يبدو أن السودان عاجز عن الرد، لكنه ببساطة لا يمنح خصومه ميزة اختيار ساحة المعركة. السودان قادر، بل ومستعد، للرد في الوقت الذي تتحول فيه الضربة من مجرد رد فعل عاطفي إلى صفعة استراتيجية تقلب الطاولة.
الاستفزازات العسكرية: فخ إقليمي؟
طرح البعض تساؤلاً مستفزًا: لماذا لا تُقصف القواعد العسكرية المرتبطة بالإمارات في بعض دول الجوار كالصومال؟ الجواب هنا يكشف عمق التفكير الإستراتيجي السوداني؛ فهكذا خطوة ستنقل الصراع من قضية داخلية تتعلق بسيادة الدولة على أراضيها، إلى نزاع إقليمي مفتوح يُعطي الخصوم الذريعة لتدخل عسكري مباشر، ويحوّل السودان من ضحية لعدوان داخلي إلى معتدٍ إقليمي.
الرد في أروقة الدبلوماسية والاستخبارات
بعيدًا عن الأضواء، تُرسم خطوط معركة من نوع آخر: تحركات استخبارية دقيقة، ضغط دبلوماسي متواصل، وتوثيق قانوني محكم، يهدف لإحراج خصوم السودان دوليًا، وتقليم أظافرهم سياسيًا، قبل أي مواجهة عسكرية. إنها معركة نفس طويل، لا تبحث عن نصر لحظي، بل عن إسقاط مشروع متكامل يستهدف استقرار السودان وسيادته.
حنكة الدولة أم فخ المليشيا؟
ما تحاول بعض الأطراف تسويقه على أنه ضعف أو تردد، هو في الواقع تكتيك محسوب، لا يليق إلا بدولة تعرف كيف تختار توقيت معاركها. السودان لا يتصرف كميليشيا ترد بغريزتها، بل كدولة تُراكم الأدلة، وتحشد المواقف، وتحاصر خصومها في الميدان الذي تتقنه: الحرب الذكية.
في خضم هذا الصراع، تتجلى واحدة من أهم قواعد فنون الحرب: الخداع الاستراتيجي. السودان، الذي يعرف طبيعة خصومه، لا يندفع ليكون بيادق في لعبة غيره، بل ينسج خطواته بصبر المنتظر لضربته القاضية.
الصبر ليس ضعفًا، بل مصيدة. والرد، حين يأتي، لن يكون مجرد إطلاق نار، بل نهاية مشروعٍ بأكمله. ومن أراد فهم ما يجري، فليُلقِ نظرة على النهايات لا البدايات؛ فالعبرة دومًا بالخواتيم.

