لطالما كانت العلاقة بين السودان ومصر علاقة تاريخية متجذرة، جمعت بين البلدين أواصر الجغرافيا، والثقافة، والتاريخ المشترك. وعلى مدار العقود، كانت هناك العديد من المحاولات لتعزيز التعاون والتكامل بين البلدين، كان أبرزها اتفاق الحريات الأربع، الذي منح المواطنين في البلدين حقوق الإقامة، والعمل، والتملك، والتنقل بحرية. لكن هذه الاتفاقات ظلت حبرًا على ورق في كثير من الأحيان، بسبب تعقيدات سياسية وأمنية. واليوم، بعد الحرب التي عصفت بالسودان، يطرح سؤال جوهري: هل يمكن أن ينجح مشروع التكامل السوداني المصري بعد الحرب؟
واقع التكامل بين السودان ومصر
شهدت العلاقات السودانية المصرية عبر التاريخ موجات من التقارب والتباعد، حيث سعت الدولتان في بعض الفترات إلى تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي، لكن التحديات غالبًا ما كانت تعيق تحقيق تقدم ملموس. كان هناك اتفاقات سابقة، مثل التكامل الذي وقّعه الرئيسان الأسبق جعفر نميري ومحمد أنور السادات عام 1974، والذي شمل مجالات واسعة مثل الزراعة، الصناعة، النقل، الصحة، والتعليم. غير أن هذا التكامل لم يدم طويلًا، نتيجة لعدم استقرار الأنظمة السياسية والتغيرات الإقليمية والدولية.
أما اتفاق الحريات الأربع، الذي وُقّع عام 2004، فقد كان يهدف إلى إزالة العوائق بين البلدين، لكنه اصطدم بعقبات عدة، أبرزها التحفظات المصرية على بعض بنوده، خاصة فيما يتعلق بملكية الأراضي وحرية التنقل. وبالرغم من أن السودان نفذ معظم بنود الاتفاق، فإن مصر لم تطبقه بالكامل، مما عرقل تحقيق الأهداف المرجوة منه.
التحديات أمام التكامل بعد الحرب
بعد اندلاع الحرب في السودان عام 2023، تغير المشهد بشكل كبير، حيث أدى النزاع إلى موجات نزوح كبيرة للسودانيين إلى مصر، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول ضرورة تفعيل اتفاقيات التكامل لمواجهة الأزمة الإنسانية والاقتصادية. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات رئيسية قد تعيق تحقيق هذا التكامل، أبرزها:
- الوضع الأمني والسياسي في السودان: لا يزال السودان يواجه حالة من عدم الاستقرار، مما يجعل من الصعب تنفيذ أي مشاريع تنموية مشتركة.
- الملف الاقتصادي: تعاني كل من السودان ومصر من تحديات اقتصادية كبيرة، مما قد يحد من قدرتهما على الاستثمار في مشاريع تكاملية.
- الخلافات حول الحدود: لا تزال منطقة حلايب وشلاتين تمثل نقطة خلاف بين البلدين، وقد تؤثر على أي محاولات لتعزيز التعاون.
(ملف تعكير العلاقات السودانية المصريه عندما يحصل اي تقارب بين الدولتين) - التوازنات الإقليمية والدولية: تؤثر علاقات السودان ومصر مع القوى الإقليمية والدولية على مدى إمكانية تحقيق تكامل حقيقي بينهما.
فرص نجاح التكامل بعد الحرب
رغم هذه التحديات، هناك عوامل قد تدعم فرص نجاح مشروع التكامل السوداني المصري بعد الحرب، ومنها:
التكامل الاقتصادي: يمكن أن تستفيد مصر من الموارد الطبيعية السودانية، بينما يمكن أن يستفيد السودان من الخبرات المصرية في مجالات الصناعة والبنية التحتية.
الهجرة والنزوح: استضافة مصر لعدد كبير من السودانيين قد يدفعها إلى تفعيل اتفاقية الحريات الأربع لتسهيل اندماجهم في المجتمع المصري.
التعاون الأمني: قد يشكل التعاون الأمني بين البلدين ركيزة أساسية لدعم الاستقرار في المنطقة.
التكامل بين السودان ومصر ليس مجرد خيار، بل ضرورة تفرضها الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة. ورغم العثرات التي واجهتها مشاريع التكامل السابقة، فإن الواقع الحالي يفرض على البلدين إعادة النظر في هذه الاتفاقات وتطويرها بما يتماشى مع التحديات الراهنة. نجاح هذا المشروع يعتمد على إرادة سياسية حقيقية، وقرارات اقتصادية مدروسة، والتزام بتطبيق الاتفاقيات على أرض الواقع، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والخلافات السياسية. فهل يكون ما بعد الحرب بداية جديدة لعلاقة أكثر تكاملًا بين السودان ومصر؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة على هذا السؤال.

