28.5 C
Port Sudan
السبت, أكتوبر 10, 2026

الخبير الاقتصادي ..حاتم حسن احمد..يكتب..الاقتصاد السوداني يحتاج غرفة إنقاذ لا غرف إشراف!!!


عطفا على تكليف أعضاء مجلس السيادة بالأشراف على الملفات الاقتصادية وبعيداً عن الأشخاص، فإن المشكلة الحقيقية ليست في رتبة من يتولى الملف، وإنما في طبيعة المنهج الذي تُدار به ملفات الاقتصاد.
الاقتصاد منظومة.. وليس مجموعة ملفات مثل النفط والكهرباء والوقود والسلع الاستهلاكية وسعر الصرف والإنتاج والصادرات والمالية العامة ليست جُزراً منفصلة.
فارتفاع سعر الوقود، مثلاً، يرفع تكلفة النقل، والنقل يرفع تكلفة الغذاء، وارتفاع الغذاء يضغط على الأجور، فيتسع الطلب على العملة الأجنبية، فتزداد الضغوط على سعر الصرف، ثم ترتفع تكلفة الاستيراد، وتعود الدائرة من جديد إلى الأسعار ولهذا فإن تكليف مسؤول بملف الكهرباء وآخر بالسلع قد يعالج العَرَض الإداري، لكنه لا يعالج بالضرورة جذر الأزمة الاقتصادية.
السودان لا يعاني حالياً من نقص في المسؤولين عن الملفات بقدر ما يعاني من انهيار في القدرة الإنتاجية، واختلال مالي ونقدي، وتدمير للبنية التحتية، واضطراب في سلاسل الإمداد، وضعف المؤسسات الاقتصادية.
وتؤكد بيانات البنك الدولي أن الاقتصاد السوداني انكمش بنحو 29.4% في 2023 و14% في 2024، فيما انهارت الإيرادات الحكومية من نحو 10% من الناتج المحلي في 2022 إلى أقل من 5% في 2024-2025.
يصف البنك الأفريقي للتنمية الوضع في 2026 بأنه يتسم بالتضخم الشديد، وانخفاض قيمة العملة، واختلالات مالية وخارجية، وضعف المؤسسات والإنتاجية، وتضرر البنية التحتية ويشير صراحة إلى أن استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي وإعادة بناء القدرات المؤسسية والإصلاحات الهيكلية المتدرجة ضرورية للتحول الاقتصادي المستدام.
قد تكون التكليفات الجديدة مفهومة من زاوية محاولة القيادة السياسية التدخل السريع في ملفات تمس حياة المواطنين مباشرة، خصوصاً النفط والكهرباء والسلع الأساسية.
لكن الخطر الاقتصادي يبدأ عندما تتحول المعالجة الاستثنائية إلى نمط دائم لإدارة الاقتصاد، فالاقتصاد الحديث يحتاج إلى (مؤسسات ذات اختصاص واضح، بيانات دقيقة ومحدثة، سياسات مالية ونقدية متناسقة، موازنات وأهداف قابلة للقياس، أجهزة رقابية ومحاسبية، قطاع خاص منتج، قرارات مبنية على دراسات وتكلفة وعائد، وتحديد واضح للمسؤولية التنفيذية والمساءلة)
أما كثرة الإشراف والتكليفات فوق الأجهزة التنفيذية فقد تؤدي إلى ازدواجية القرار، وتضارب الصلاحيات، وإضعاف المسؤولية المؤسسية؛ إذ يصبح السؤال: من يقرر؟ ومن ينفذ؟ ومن يُحاسب عند الفشل؟ وهذه ليست مشكلة عسكرية أو مدنية بقدر ما هي مشكلة حوكمة اقتصادية.
إذن المطلوب ليس تكليف شخص بملف جديد، وإنما إنشاء آلية وطنية متخصصة لإدارة الإنقاذ الاقتصادي، تعمل وفق برنامج واضح ومؤشرات أداء محددة، وتضم وزارة المالية، بنك السودان، وزارة الطاقة، التجارة، الزراعة، الصناعة، النقل، الجمارك، إضافة إلى خبراء مستقلين وممثلين للقطاع الخاص. وتبدأ مهمتها من تحديد عنق الزجاجة في الاقتصاد.
وهنا يمكن تطبيق منطق “نظرية القيود” حيث لا يمكن إصلاح عشرات الاختلالات في وقت واحد؛ يجب تحديد الحلقة التي تمنع بقية الاقتصاد من الحركة، ثم توجيه الموارد إليها.
طبقا لم سبق من أين يبدأ العلاج؟ أولاً الإنتاج قبل الاستيراد السودان لا يستطيع معالجة انهيار العملة بالقرارات النقدية وحدها. العملة الأجنبية تأتي من إنتاج قابل للتصدير ، والسودان يمتلك قطاعات قادرة على ذلك الذهب، الزراعة، الثروة الحيوانية، الصمغ العربي، السمسم، الحبوب الزيتية، الصمغ، الصناعات الغذائية، والقطن وغيرها المطلوب تحويل الاقتصاد من اقتصاد يعتمد على استيراد الاحتياجات إلى اقتصاد ينتج ويصدر ويدخل النقد الأجنبي ثانياً إعادة بناء قطاع الطاقة على أساس اقتصادي سيما وان النفط والكهرباء ليسا ملفين خدميين فقط؛ إنهما مدخلان لكل عملية إنتاج لذلك ينبغي إعداد خطة طاقة عاجلة تشمل الإنتاج والتكرير والنقل والتوزيع والكهرباء والطاقة الشمسية والطاقات البديلة، مع تحديد تكلفة كل كيلوواط وسعره ومصادر تمويله وخسائر الشبكات وأولويات إعادة التأهيل ثالثاً إصلاح سوق الصرفلا يمكن بناء اقتصاد إنتاجي في ظل تعدد أسعار الصرف والتشوهات والحوافز التي تدفع الأموال بعيداً عن النشاط الإنتاجي والبنك الدولي يشير ضمن توصيات التعافي إلى أهمية الحفاظ على سعر صرف موحد وإزالة عوائق التجارة الداخلية والخارجية رابعاً السلع الأساسية عبر زيادة العرض وليس مطاردة الأسعار، مهمة الدولة ليست أن تحدد سعر كل سلعة إلى الأبد، وإنما أن تجعل إنتاجها ونقلها وتمويلها واستيراد مدخلاتها أكثر كفاءة إذا انخفضت تكلفة الإنتاج والنقل والتمويل والجمارك، وزاد المعروض، فإن السوق نفسه يصبح أداة مهمة لخفض الضغوط السعرية.
خامساً إعادة تشغيل القطاع الخاص إذ لا يمكن للحكومة وحدها إعادة بناء السودان فالمطلوب حزمة عاجلة لإعادة المصانع والمزارع والشركات والأسواق إلى الإنتاج، مع ضمانات تمويل، وإعفاءات مدروسة للإنتاج، وتسهيل التجارة، وحماية سلاسل الإمداد، وربط التمويل بالإنتاج الحقيقي لا بالمضاربات وأهم من كل ذلك ترتيب الأولويات حتى يصبح السؤال الصحيح ليس من نكلف بإدارة ملف الكهرباء؟ بل ما الذي يمنع الكهرباء من العمل؟ وليس من نكلف بملف السلع؟ بل لماذا أصبحت تكلفة إنتاج ونقل واستيراد السلعة أعلى من قدرة المواطن؟ وليس من المسؤول عن الاقتصاد؟ بل ما هي الآلية التي ستعيد الإنتاج والصادرات والإيرادات والاستقرار النقدي؟
يتبقى أن السودان لا يحتاج إلى المزيد من “إدارة الملفات” بقدر ما يحتاج إلى إدارة المنظومة الاقتصادية كلها. وقد تكون التكليفات الأخيرة محاولة لتحريك ملفات عاجلة، لكن نجاحها سيظل مرتبطاً بوجود برنامج اقتصادي متكامل، وصلاحيات محددة، وأهداف قابلة للقياس، وموارد حقيقية، ومؤسسات تنفيذية قوية.
فالاقتصاد لا ينهض بالتوجيهات وحدها، ولا بالرتب، ولا بكثرة اللجان والتكليفات ينهض عندما يعود الإنتاج إلى قلب السياسة الاقتصادية، ويصبح التصدير مصدر النقد الأجنبي، وتستعيد الدولة إيراداتها، ويُصلح سعر الصرف، وتُعاد بناء الطاقة والبنية التحتية، ويعود القطاع الخاص إلى العمل.
إن السودان أمام أزمة اقتصادية استثنائية، ولذلك يحتاج إلى غرفة إنقاذ اقتصادي بعقل اقتصادي، لا غرفة عمليات لتوزيع الملفات.
فالاقتصاد السوداني لا يحتاج إلى من يراقب سقوطه… بل إلى منظومة توقف السقوط وتعيده إلى الإنتاج.

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا