تمر الدولة السودانية بمرحلة اقتصادية شديدة التعقيد، تتداخل فيها آثار الحرب مع تراجع الإنتاج وتعطل قطاعات اقتصادية أساسية وتضرر البنية التحتية وارتفاع تكلفة المعيشة. ولذلك فإن التعامل مع الوضع الاقتصادي لم يعد يحتمل الانتظار، بل يحتاج إلى خطة إسعافية قصيرة المدى تحمي معاش المواطن وتعيد تحريك عجلة الإنتاج.
ومن الواضح أن آثار الحرب لم تعد محصورة في الميدان العسكري، وإنما امتدت إلى الاقتصاد والإنتاج والخدمات، وهو ما يتطلب من الدولة الاستعداد لكل الاحتمالات والعمل على تقوية الاقتصاد الوطني من خلال زيادة الإنتاج وتقليل الاعتماد على الموارد المحدودة.
الحلول لا تكمن فقط في الإجراءات المالية والنقدية، وإنما في رفع الطاقة الإنتاجية للدولة، خاصة في قطاعات المعادن والزراعة والمحاصيل النقدية، مع التركيز على القطاعات التي يمكن أن تحقق عائدًا سريعًا وتوفر فرص العمل وتدعم موارد الدولة من النقد الأجنبي.
ومن القطاعات التي تحتاج إلى اهتمام عاجل قطاع الصمغ العربي، خاصة في المناطق الآمنة، والعمل على تطوير الإنتاج وفتح الأسواق أمام المنتج السوداني، بما يعيد لهذا القطاع دوره في الاقتصاد الوطني ويزيد من عائداته على المنتج والدولة.
كما أن ترتيب وتوفيق أوضاع شركة السودان للأقطان يمثل خطوة مهمة، باعتبار القطن من المحاصيل النقدية المهمة للسودان، ويمكن أن يكون رافدًا أساسيًا للاقتصاد إذا تمت معالجة مشكلات الإنتاج والتمويل والتسويق وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمزارعين والجهات العاملة في القطاع.
أما الزراعة، فهي تمثل الأساس الحقيقي لمواجهة مخاطر ارتفاع الأسعار ونقص الغذاء. ولذلك يجب على وزارتي الزراعة والري والجهات ذات الصلة البدء من الآن في التحضير للعروة الشتوية، وعدم انتظار بداية الموسم.
ويجب أن تشمل الخطة توفير مدخلات الإنتاج في الوقت المناسب، من تقاوى وأسمدة ومبيدات ووقود وآليات، إلى جانب تسهيل سياسات البنك الزراعي بما يشجع المزارعين على العودة إلى العملية الزراعية ويوفر لهم التمويل اللازم للإنتاج.
كما ينبغي الاستفادة من الأراضي الزراعية التابعة للقطاع الحكومي، خاصة المساحات الواسعة التابعة للشركة السودانية للسكر، والتي يمكن أن تدخل بصورة عاجلة في خطة الأمن الغذائي.
ويمكن دراسة إنشاء شراكة عملية بين الشركة السودانية للسكر والبنك الزراعي وشركة زادنا لاستغلال الأراضي الزراعية غير المستغلة حاليًا، خاصة الأراضي التي تتوفر فيها مصادر المياه والري الانسيابي، وتوجيه جزء منها بصورة عاجلة لإنتاج القمح والمحاصيل الغذائية الأساسية.
إن استغلال هذه الأراضي لا يحتاج بالضرورة إلى انتظار اكتمال إعادة تأهيل المصانع والمنشآت المتضررة، بل يمكن وضع ترتيبات إنتاجية مؤقتة تسمح بالاستفادة من الأراضي المتاحة وتحويلها من أراضٍ غير مستغلة إلى مصدر للإنتاج الغذائي.
وهذه الإجراءات تمثل جزءًا من خطة إسعافية قصيرة المدى لتوفير معاش المواطن وتأمين الغذاء وتحريك الاقتصاد، بالتوازي مع العمل على إعادة بناء القطاعات الإنتاجية بصورة طويلة المدى.
كما يجب أن تتضمن الخطة دعم قطاع التعدين وتنظيم الإنتاج والتسويق، وتشجيع الاستثمار في القطاعات القادرة على توفير النقد الأجنبي، مع المحافظة على الموارد الوطنية ومنع هدرها.
المرحلة الحالية تحتاج إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة الإنتاج، ومن انتظار تحسن الظروف إلى صناعة الظروف التي تساعد على التعافي الاقتصادي.
ولذلك أقترح أن تعمل الدولة على تشكيل لجنة اقتصادية إنتاجية إسعافية تضم الجهات الحكومية والمؤسسات الاقتصادية والزراعية والتمويلية وعددًا من الخبراء، تكون مهمتها وضع خطة قصيرة المدى قابلة للتنفيذ، تتضمن أولويات واضحة، وموارد محددة، وجداول زمنية، وجهات مسؤولة عن التنفيذ والمتابعة.
إن السودان يمتلك أراضي زراعية واسعة وموارد مائية وثروة معدنية وحيوانية وقطاعات إنتاجية قادرة على النهوض، ولكن الاستفادة من هذه الموارد تحتاج إلى إدارة جيدة وتمويل وسياسات واضحة وسرعة في اتخاذ القرار.
إن معركة المرحلة المقبلة هي معركة إنتاج ومعاش وأمن غذائي. وكلما نجحت الدولة في زيادة الإنتاج وتحريك القطاعات الاقتصادية، استطاعت أن تخفف الضغوط عن المواطن وتدعم استقرار الاقتصاد الوطني.
لذلك فإن المطلوب اليوم ليس مجرد تشخيص للأزمة الاقتصادية، وإنما خطة إسعافية واضحة تبدأ فورًا، قبل أن تتسع دائرة التدهور وتصبح تكلفة المعالجة أكبر.
محمد القريش

