30.5 C
Port Sudan
الجمعة, سبتمبر 4, 2026

القوى السياسية وتصنيع أصنام الشمع.. كفى إعادة إنتاج الفشل.. بقلم.. محمد القريش

في كل مرة تقترب فيها البلاد من لحظة فارقة تعود بعض القوى السياسية إلى ذات الأساليب القديمة، فتسعى إلى صناعة رموز وأجسام سياسية مصطنعة، ثم تقدمها للشعب باعتبارها ممثلةً له بينما هي في حقيقة الأمر لا تمتلك تفويضاً شعبياً واضحاً ولا تستند إلى توافق وطني حقيقي.
لقد آن الأوان أن نقول الحقيقة دون مواربة: القوى السياسية مطالبة بأن تتعلم من تجارب الماضي لا أن تعيد إنتاجها.
إن مجرد الاحتفاء بلجنة تهيئة المناخ أو منحها الاعتراف السياسي دون أن تكون هناك إجابات واضحة حول تكوينها وتفويضها ومصادر شرعيتها، يعني عملياً الاعتراف بوجه جديد يجري تقديمه إلى الساحة السياسية من خارج السياق الوطني المتفق عليه.
والسؤال هنا مشروع بل وضروري:
أين كانت عضوية هذه اللجنة بعد الخامس عشر من أبريل؟
وأين كانت مواقفها وأدوارها خلال الحرب والأزمة التي عصفت بالبلاد؟
وهل توافقت القوى الوطنية والسياسية والمجتمعية فعلاً على تكوين هذه اللجنة؟
ومن أين تستمد شرعيتها؟
ومن الذي فوضها؟
ومن أين يأتي الدعم والتنظيم للفعاليات التي تتحرك من خلالها؟
هذه ليست أسئلة للمناكفة السياسية وإنما أسئلة جوهرية تتعلق بمستقبل السودان وبحق الشعب السوداني في أن يعرف: من يتحدث باسمه؟ ومن فوضه؟ ولأي غاية؟
لقد جربنا هذا الطريق من قبل
إن تجربة ما سُمي بـ«أربعة طويلة» خلال الفترة الانتقالية وما ترتب عليها من مسارات سياسية وصولاً إلى الاتفاق الإطاري يجب ألا تُنسى.
فقد كانت إحدى نتائج غياب القوى السياسية الوطنية القادرة على قراءة المشهد بصورة صحيحة أن فُتحت الأبواب أمام ترتيبات سياسية انتهت إلى نتائج كارثية وأسهمت في تعقيد المشهد وتمكين مليشيا متمردة من التمدد داخل الدولة والمجتمع.
واليوم، وبعد كل هذه الدماء والضحايا والدمار لا يمكن أن نقبل بإعادة إنتاج التجربة ذاتها تحت مسميات جديدة.
لا نريد إطاريّاً جديداً.
ولا نريد لجاناً تُفرض على الشعب السوداني باعتبارها الطريق الوحيد للحوار.
ولا نريد أن تتحول بعض القوى السياسية إلى أدوات لتجميل ترتيبات سياسية سبق أن أثبتت التجربة فشلها.
الاحترام للجنة لا يعني منحها تفويضاً سياسياً
نحن لا نعترض على الحوار، بل نعتبر الحوار ضرورة وطنية.
ولا نعترض على تهيئة المناخ بل نؤمن بأن البلاد تحتاج إلى مناخ سياسي واجتماعي يساعد على الوصول إلى السلام والاستقرار.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول لجنة محددة إلى مرجعية فوق القوى السياسية والمجتمعية والأهلية دون تفويض واضح أو توافق وطني.
إن احترام أي لجنة لا يعني التسليم بشرعيتها السياسية.
والاحتفاء بها لا يعني منحها تفويضاً لم تمنحه لها القوى الوطنية.
أما أن يتم تقديم لجنة مشكّلة سياسياً على أنها جسم لا علاقة له بالسياسة فذلك أمر يصعب قبوله.
فالسياسة لا تصبح غير سياسية بمجرد تغيير الاسم.
الحوار السوداني ليس ملكاً لمجموعة
الحوار السوداني الحقيقي يجب أن يكون حواراً تشارك فيه القوى السياسية والقوى المجتمعية والإدارة الأهلية والمرأة والشباب وأصحاب المصلحة الحقيقيون دون وصاية أو إقصاء.
السودان ليس ملكاً لحزب ولا لتحالف ولا للجنة ولا لمجموعة سياسية مهما كان حجمها.
والشعب السوداني الذي دفع ثمن الحرب والاقتتال والاختلاف السياسي هو صاحب الحق الأول في تحديد شكل مستقبله.
ومن هنا نقولها بكل صراحة وشجاعة:
لا توجد قوى وطنية تحترم تاريخها ووزنها وقواعدها يمكن أن تقبل أن تكون تابعة لمجموعة أو واجهة لترتيبات سياسية تُفرض عليها من الخارج أو من أعلى.
هذا، ببساطة هو إعادة إنتاج للإطاري بصورة جديدة.
على القوى السياسية أن تقوم بدورها الوطني
بدلاً من الانشغال بصناعة الأجسام واللجان والواجهات على القوى السياسية أن تعود إلى قواعدها وأن تتحمل مسؤوليتها الوطنية وأن تقدم رؤيتها لإنهاء الحرب وبناء الدولة.
وعليها أن تقف إلى جانب القوات المسلحة والقوات المشتركة والقوات المساندة وإلى جانب كل من يقف في الميدان دفاعاً عن الوطن وسيادته ووحدة أراضيه.
فالذين في الميدان اليوم يقدمون الغالي والنفيس ويواجهون الموت دفاعاً عن السودان، لا يحتاجون إلى مزيد من المزايدات السياسية وإنما يحتاجون إلى موقف وطني واضح.
نحن أمام مرحلة لا تحتمل المناورات الصغيرة ولا الحسابات الحزبية الضيقة.
هذه لحظة وطن.
ومن يريد أن يكون جزءاً من مستقبل السودان عليه أن يتحمل مسؤولية الحاضر.
كفى وصاية على الشعب السوداني
لقد آن الأوان لأن تتوقف محاولات صناعة الأجسام السياسية من أعلى وفرضها على الشعب باعتبارها ممثلاً وحيداً أو طريقاً وحيداً للخلاص.
السودان يحتاج إلى حوار حقيقي واسع شفاف سوداني الإرادة لا إلى ترتيبات تعيد إنتاج الماضي بأسماء جديدة.
لا نريد تجربة المجرب.
ولا نريد إطاريّاً جديداً.
ولا نريد وصاية سياسية على الشعب السوداني.
نريد دولة نريد سلاماً، نريد استقراراً ونريد حواراً وطنياً حقيقياً يشارك فيه السودانيون دون إقصاء أو استعلاء أو فرض أجندات جاهزة.
وللقوى السياسية نقول:
قوموا بدوركم الوطني واتركوا صناعة أصنام الشمع فالسودان لا يُبنى بالواجهات المصطنعة وإنما بالمواقف الوطنية الصادقة وباحترام إرادة الشعب السوداني.
رحم الله شهداء الوطن
ونسأل الله عاجل الشفاء للجرحى والمصابين
والحرية والعودة الآمنة للأسرى والمفقودين
وحفظ الله السودان وشعبه ووحد أرضه وجمع كلمته.
محمد القريش

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا