32.4 C
Port Sudan
الأحد, أغسطس 23, 2026

رحيل “مانديلا الشرق”… حين تنطفئ شمعة الحرية


كتب … سيف الدين آدم هارون

نعت القضارف ظهر اليوم فارساً لا ينحني، ورحلت معه صفحة كاملة من تاريخ النضال. رحل جعفر خضر ـ “مانديلا الشرق” ـ تاركاً فراغاً لا تسده البيانات، وثقباً في خارطة الوطن لا يرممه العزاء.
لم يكن جعفر خضر مجرد اسم في سجلات المعارضة. كان أيقونة. كان أبو النضال الذي اختار أن يحمل همّ الناس لعقود من الزمان بظهر لا ينكسر ولسان لا يلين. في زمن المساومات وأنصاف الحلول، ظل ثابتاً كالجبل، لا يداهن، لا يماري، لا يبيع قناعاته في سوق العروض.
قضى عمره كله شمعة تحترق لتنير دروب الآخرين. يواسي أحزان المقهورين، يدغدغ آمال المهمشين، ويبذر الأمل في تربة يئست من المطر. لم يسأل يوماً عن عرقك، أو معتقدك، أو طبقك، أو جسدك. كان عنده “الإنسان هو الإنسان”. وهنا بالضبط تكمن عظمة جعفر: في إنسانيته العارية من كل انحياز، وفي إيمانه الراسخ بأن الكرامة لا تتجزأ. وان العدالة هي الأصل
كان زاهداً عفيفاً. لم تمتد يده لما في أيدي الناس، ولم يلوث لسانه بالمداهنة. احترم من خالفه، لكنه لم يتنازل قيد أنملة عن مبدأ أن الديمقراطية ليست رفاهية، بل هي الطريق الوحيد لنهضة الشعوب.
واجه جعفر أنظمة القمع والقهر بصلابة نادرة. ولم يتراجع. والتاريخ يشهد له مواقف لا تمحى، أبرزها وقفته مع شعب القضارف وهو يستقبل آلاف النازحين الفارين من جحيم الحرب. كان في الصفوف الأولى للعمل الإنساني، سنداً للشباب والشابات والناشطين، مدافعاً عن الحق بلا تلوّن ولا تراجع.
لم يؤمن بأنصاف الحلول، ولم يعرف طريقاً للمساومة على المبادئ. لذلك أحبه البسطاء، واحترمه حتى خصومه.
برحيله يفقد الشرق صفوة رجاله، وتفقد البلاد رمزاً من رموز النضال الخالص. لكن مواقفه الثابتة ستظل نبراساً لكل عشاق الحرية والديمقراطية. التجربة التي قدمها جعفر خضر ليست خبراً في صفحة الحوادث، بل هي درس مفتوح ،أن النضال الحقيقي هو أن تظل وفياً لنفسك حتى الرمق الأخير.
اليوم نصمت قليلاً حداداً، ثم نواصل. هذا ما كان سيطلبه منا “مانديلا الشرق”.
العزاء موصول لكل الشعب السوداني، ولأسرته الصغيرة والكبيرة، ولرفقاء النضال في كل بقاع الأرض.
نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يتقبله قبولاً حسناً، ويجعل ما قدمه في ميزان حسناته.
إنا لله وإنا إليه راجعون

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا