32.2 C
Port Sudan
الأحد, يوليو 12, 2026

إعمار السودان.. هل آن أوان الانتقالمن لغة الحرب إلى لغة البناء؟..بقلم..حاتم حسن احمد


سنظل نتحدث عن إعمار السودان ما بقيت فينا حياة ولن نمل طرق هذا الامر أبدا وفي موروثنا الشعبي ( أم التيمان بتضرع البكاي ) فبعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب التي ألحقت بالسودان خسائر بشرية واقتصادية وتنموية هائلة، يفرض سؤال نفسه بإلحاح ألم يحن الوقت لأن يبدأ العالم الحديث بجدية عن إعمار السودان؟
إن استمرار التركيز على الجوانب الإنسانية والإغاثية وحدها، رغم أهميتها، لم يعد كافياً فالسودان يحتاج اليوم إلى مشروع دولي متكامل لإعادة الإعمار يعيد بناء الإنسان قبل الحجر، ويؤسس لاقتصاد قادر على النهوض والاستدامة.
لقد تسببت الحرب في تدمير آلاف المنشآت الحكومية والخاصة، وتضرر البنية التحتية من طرق وجسور ومحطات كهرباء ومياه ومرافق صحية وتعليمية، كما تعطلت قطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي بصورة حادة، بينما قُدرت الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة بعشرات المليارات من الدولارات، وتجاوزت بعض التقديرات الدولية 150 مليار دولار عند احتساب خسائر البنية التحتية والإنتاج ورأس المال البشري وبرغم ضخامة هذه الخسائر، فإن السودان يمتلك من المقومات ما يجعله واحداً من أكثر الدول قدرة على تحقيق تعافٍ اقتصادي سريع إذا توفرت الإرادة السياسية والدعم الدولي.
فالسودان يمتلك أكثر من 200 مليون فدان صالحة للزراعة، ولا يُستغل سوى جزء محدود منها، إضافة إلى موارد مائية ضخمة، وثروة حيوانية تتجاوز 100 مليون رأس، واحتياطيات كبيرة من الذهب والمعادن الاستراتيجية، فضلاً عن موقع جغرافي استثنائي يربط بين العالم العربي وإفريقيا، وساحل على البحر الأحمر يمتد لنحو 750 كيلومتراً، بما يتيح فرصاً واعدة لتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية والتجارة الدولية.
إن إعادة إعمار السودان لا ينبغي أن تُنظر إليها باعتبارها عملاً خيرياً، بل باعتبارها فرصة استثمارية وتنموية عالمية تحقق عوائد اقتصادية للدول والمؤسسات والشركات المشاركة فيها، وفي الوقت ذاته تضع السودان على طريق التنمية المستدامة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إطلاق مؤتمر دولي لإعمار السودان برعاية مشتركة من جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، وبمشاركة الاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والبنك الإفريقي للتنمية، والصناديق العربية للتنمية، والدول الصديقة، لوضع برنامج زمني واضح لإعادة بناء الاقتصاد السوداني.
كما ينبغي أن تتحرك الدبلوماسية السودانية لطرح ملف الإعمار على أجندة القمم العربية والإفريقية والدولية، مع إعداد خريطة وطنية متكاملة للمشروعات ذات الأولوية، تشمل الكهرباء، والمياه، والطرق، والموانئ، والمطارات، والإسكان، والتعليم، والصحة، والتحول الرقمي، والزراعة، والصناعة.
وفي المقابل، تقع على عاتق الدولة مسؤولية تهيئة بيئة استثمارية جاذبة عبر تحديث التشريعات، وحماية المستثمرين، وتبسيط الإجراءات، ومكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية والحوكمة، بما يبعث الثقة في الأسواق العالمية.
إن السودان قادر على تقديم حوافز استثمارية غير مسبوقة في مجالات الزراعة والأمن الغذائي، والتعدين، والطاقة المتجددة، والصناعات التحويلية، والموانئ والخدمات اللوجستية، والسياحة البيئية والبحرية، وهي قطاعات تمتلك ميزات نسبية تجعلها قادرة على جذب مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
كما أن تطوير موانئ البحر الأحمر وتحويلها إلى مراكز إقليمية للتجارة والنقل يمكن أن يجعل السودان بوابة اقتصادية لإفريقيا ورافداً رئيسياً لسلاسل الإمداد العالمية، مستفيداً من موقعه الاستراتيجي بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.
إن التجارب الدولية في ألمانيا واليابان ورواندا والبوسنة تؤكد أن الدول الخارجة من النزاعات تستطيع أن تتحول إلى قصص نجاح عندما تتوفر الرؤية والإدارة الرشيدة والدعم الدولي.
واليوم، لم يعد السؤال من سيمول إعمار السودان؟ بل أصبح السؤال كيف نبادر نحن بطرح مشروع وطني متكامل للإعمار يجعل العالم شريكاً في إعادة بناء دولة تمتلك من الموارد والإمكانات ما يؤهلها لأن تكون إحدى القوى الاقتصادية الصاعدة في إفريقيا والعالم العربي؟
لقد آن الأوان لأن ينتقل الخطاب السوداني من انتظار انتهاء الحرب إلى التخطيط الجاد لليوم التالي. فالإعمار لا يبدأ بعد السلام، بل يبدأ بالتخطيط له أثناء السعي إلى السلام.
السودان لا يحتاج إلى التعاطف وحده، بل يحتاج إلى شراكات، واستثمارات، ورؤية اقتصادية شاملة تعيد بناء وطن يستحق الحياة، وتفتح صفحة جديدة عنوانها من ركام الحرب إلى نهضة التنمية.

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا