32.7 C
Port Sudan
الثلاثاء, يونيو 23, 2026

من رحم “النفير” يولد الأمل.. “وثيقة الكرامة” تبشر إنسان الوسط بعصر صحي جديد

تقرير: احمد صديق

في مشهدٍ يعيدُ للأذهانِ صورَ البذلِ الأولى، حيثُ الشيخُ التوم هجو يزرعُ بذورَ المسارِ في تربةِ الوجع، وحيثُ الأستاذ محمد عبدالله جفون يخوضُ غمارَ المفاوضاتِ حاملًا همومَ البسطاءِ على كتفيه، التقى وفدُ مسارِ الوسطِ بوزيرِ الصحةِ الاتحاديِّ د. هيثم محمد إبراهيم، حاملينَ في حقائبهم “أنينَ المستشفيات” و”صبرَ الأسرَةِ المعطَّلة”، ليضعوا أمامَ الحكومةِ الاتحاديةِ خارطةَ طريقٍ لا تشبهُ سابقاتِها.

لم يكن هذا الاجتماعُ محضَ بروتوكولٍ عابر، بل كان تتويجًا لصبرٍ نبتَ في خنادقِ الحرب، وأينعَ في حكمةِ قادةٍ آمنوا أن الصحةَ ليست دواءً يُشترى، بل “كرامةُ إنسان” تُبنى قبلَ أن يُبنى له السرير. وفي قلبِ هذا المشهد، تقفُ سنار شامخةً كجبلِ موية، وتقفُ الجزيرة ثابتةً كضفافِ النيلِ الأزرق، وقد أبليا بلاءً حسنًا، واستقبلتا النازحينَ بصدرِ الأمِّ، وحملتا فوقَ طاقتهما من أجلِ كرامةِ هذا الشعب، فكانتا جديرتينِ بأن يُخلَّدَ صبرُهما في سِفرِ الكرامة.

توجيهٌ رئاسيٌّ يصنعُ الفرق.. حين تتحولُ الثقةُ إلى طاقة

لكنّ لهذا الاجتماعِ ظلًّا ظليلًا، وسندًا لا تهتزُّ له دعائم، إنه توجيهُ السيدِ رئيسِ الوزراء، الذي كان بمثابةِ “الروحِ الخفيّةِ” التي سرتْ في أوصالِ هذا اللقاءِ فأحيتْه. لم يكن توجيهُه مجرّدَ إشارةٍ خضراءَ تُفتحُ بها الأبواب، بل كان إعلانَ ثقةٍ استثنائيةٍ في قادةِ المجتمعِ وأبنائِه، ثقةً تقولُ لهم: “أنتم شركاءُ البناءِ لا متلقّو الصدقة، وأنتم مَن يصوغُ الحلَّ لا مَن ينتظرُه”. بهذه الثقةِ تحوّلَ الوفدُ من طالبِ عونٍ إلى صانعِ قرار، ومن صاحبِ مطلبٍ إلى شريكٍ في الصياغة، فجاءت “وثيقةُ الكرامة” منسوجةً بخيطين: خبرةُ المجتمعِ وألمُه من تحت، ورعايةُ الدولةِ وبركتُها من فوق. إنها الثقةُ التي تصنعُ المعجزاتِ حين تُمنحُ لأهلِها، وحين تصبحُ جسرًا بين إرادةِ الحاكمِ وصبرِ المحكوم.

“وثيقة النفير المجتمعي”.. حين يكون المريض شريكًا لا عالة

في قلبِ الاجتماع، بزغت شمسُ مبادرةٍ أطلقَ عليها الحضورُ “وثيقةَ النفيرِ المجتمعيِّ – مبادرةَ المائةِ يوم الإسعافية”. إنها ليست وعودًا برّاقة، بل “مشروعُ دولةٍ مصغَّر” ينبضُ بالكرامة، صاغه أبناءُ الوسطِ بأيديهم، ليبدأَ من حيثُ فشلتِ البيروقراطية: من جدرانِ المستشفى المتعَبة، وأجهزتِه الصامتة، وأفنيتِه التي أنهكَها الإهمال.

تخيّلوا معي “قافلةً” لا تحملُ أدويةً فقط، بل تحملُ “فنيينَ وكشافةً” يعيدونَ تأهيلَ بيئةِ المستشفياتِ لتكونَ واحاتٍ للشفاءِ لا مصادرَ للعدوى، فيُصلحونَ أجهزةَ التعقيمِ الصامتةَ التي نامت في المخازنِ دهورًا. هذه القافلة، التي سماها المجتمعُ “عمرةَ المستشفيات”، تزرعُ الشجرَ في الأفنيةِ لتخفِّفَ عن المرضى كآبةَ الجدران، وتمسحُ الغبارَ عن روحِ المكانِ قبلَ سريرِ المريض.

باقة الطاقة والتشخيص عن بُعد..حين تقهر التكنولوجيا العجزَ، وحين تعود الطيور المهاجرة لتحمل الدواء

وفي جناحٍ آخرَ من هذه الوثيقة، تبرقُ “باقةُ الطاقة” كحلٍّ عمليٍّ لقهرِ الظلامِ الذي يبتلعُ غرفَ العمليات، حيث تُركَّبُ مضخاتٌ شمسيةٌ صغيرةٌ وأنظمةُ طاقةٍ احتياطيةٍ لتضمنَ ألّا ينقطعَ الماءُ ولا يخفتَ الضوءُ أثناءَ الجراحة، فيتحولَ المستشفى من جزيرةٍ معزولةٍ إلى حصنٍ نابضٍ بالحياة.

أما “باقةُ التشخيصِ عن بُعد”، فهي قبسُ الضوءِ الذي يبدِّدُ ظلامَ العجز، حيثُ يتصلُ الطبيبُ في أطرافِ الوسطِ بخبيرٍ في العاصمةِ أو خارجَها، عبرَ أجهزةٍ رقميةٍ بسيطة، ليُشخِّصَ الحالاتِ الحرجةَ ويصفَ الدواء، سادًّا نقصَ الكوادرِ النوعيِّ الذي طالما كان جرحًا غائرًا في جسدِ الصحة. لكنّ الرونقَ الحقيقيَّ في هذه الباقة، والبُعدَ النفسيَّ العميق، ما أضافته الطيورُ المهاجرة؛ أولئك الأطباءُ السودانيون المغتربون، من لندنَ إلى الخليج، الذين لم ينسوا أوطانَهم، فحينَ يتصلُ الطبيبُ المحليُّ بطبيبٍ من أبناءِ الوسطِ يعملُ في مستشفياتِ أوروبا أو الرياض أو الدوحة، فكأنما تعودُ السنونو مهاجرةً تحملُ الشفاءَ في منقارِها. إنهم يُشاركونَ في التشخيصِ والاستشارةِ عن بُعد، فيشعرُ المريضُ أن كرامتَه لم تهِن، وأن أبناءَه الذين غادروا لم يتركوه، بل عادوا إليه بصورةٍ أخرى، طيورًا مهاجرةً تعرفُ دربَ الوطن.

لجنة طوارئ الأوبئة.. عيون لا تنام

ولأن الكارثةَ لا تؤذنُ بمقدمِها، تضمّنت “وثيقةُ الكرامة” تشكيلَ “لجنةِ طوارئ أوبئة” من أبناءِ الوسطِ أنفسِهم، دُرِّبوا على رصدِ الإشاراتِ الأولى للخطر، وتتحركُ كخليةِ نحلٍ قبلَ أن يتحولَ الوباءُ إلى طوفان. هذه اللجنةُ هي درعُ المجتمعِ التي لا تنتظرُ الفرجَ من بعيد، بل تصنعُه من يقظةِ العيونِ وسرعةِ الأقدام، مرددينَ شعارَ المبادرة: “من الوجعِ الصامتِ إلى الفعلِ المزمجر.. نعيدُ بناءَ الإنسانِ والمكان”.

قادة المسار.. حكماء البذل وصناع الأمل

في كلمتِه، كان الأستاذ محمد عبدالله جفون، قائدُ الوفد، منبرًا لصوتِ الذين لا صوتَ لهم، ناقلًا توجيهاتِ الشيخ التوم هجو الذي ينظرُ للمستقبلِ بعينِ الحكيم، مدركًا أن شراكةَ اليومِ مع الوزارةِ هي ضمانةُ الغدِ لأجيالِ الوسط. وقد كان لوفدِ النيلِ الأبيض، بقيادةِ الأستاذ أحمد صديق البشير، حضورُ المقتدرِ الذي يعرفُ أن أنينَ أمهاتِ النيلِ الأبيضِ لا يقلُّ عن أنينِ غيرِهن.

هؤلاء الرجال، ومعهم الدكتور عمر عثمان وكلُّ الممثلين، لم يكونوا مجردَ مفاوضين، بل كانوا تجسيدًا لـ “روحِ المسار” الذي حمى الإمدادَ الدوائيَّ في زمنِ الحرب، وحملَ المرضى على الأكتافِ حينَ عجزت سياراتُ الإسعاف.

شراكة استراتيجية.. منبر للجمهورية الجديدة

لقد أشاد وزيرُ الصحةِ الاتحادي د. هيثم محمد إبراهيم ووكيله د. علي بابكر سيد أحمد، بهذا النموذجِ الفريد، معتبرينَ أن مسارَ الوسطِ هو “صوتُ المواطن” الذي يبحثانِ عنه. وهنا كان الإعلانُ عن تدشينِ شراكةٍ استراتيجيةٍ لا تقومُ على المنح، بل على “الإسنادِ المجتمعي”، نموذجٍ جديدٍ قدَّمه الوسطُ لبقيةِ ولاياتِ السودان، عنوانُه: المواطنُ ليس مستقبلًا للخدمة، بل هو قلبُها النابض.

وبينما كانت قاعةُ الاجتماعِ تضجُّ بالأفكار، برزَ اتفاقٌ على تنظيمِ مؤتمرٍ صحيٍّ كبيرٍ في ديسمبر المقبل، وفتحِ البابِ لتنفيذِ عشرةِ مشاريعَ إسعافيةٍ في كلِّ ولاية، في خطوةٍ تؤكدُ أن ولاياتِ الوسط، التي تحمّلتِ العبءَ الأكبرَ في الحرب، هي اليومَ مهدُ “النهضةِ الصحيةِ المصغَّرة”.

خاتمة العزة

إن ما حدثَ اليومَ ليس مجردَ لقاء، بل هو إرهاصةُ لعصرٍ صحيٍّ جديد، حيثُ يعودُ الإنسانُ السودانيُّ ليبني مملكتَه الصحيةَ بيديه، متسلحًا بطاقةِ الشمس، ومستعينًا بطبيبٍ عن بُعد، ومستأنسًا بعودةِ طيورِه المهاجرةِ من لندنَ إلى الخليجِ لتحملَ له الشفاءَ والنفسَ المطمئن، ومحميًّا بلجنةِ طوارئَ لا تنام. إنها ثمرةُ ثقةٍ غالية، منحها السيدُ رئيسُ الوزراءِ لأبناءِ الوسط، فكانوا عند حُسنِ الظن، حاملينَ أمانةَ الكرامة، وراسمينَ دربَ النهضةِ من رحمِ النفير. وفي سِفرِ هذا العصر، سُطِّرَ اسمُ سنار والجزيرة وبحر ابيض بحروفٍ من نور، لأنهما كانتا سندَ الوسطِ وعضدَه، وأبلتا بلاءً حسنًا يليقُ بكرامةِ هذا الشعب. إنها بشرى تزفُّها قياداتُ المسارِ إلى إنسانِ الوسط: لستم وحدَكم، فـ “النفير” مستمر، و”الكرامة” قادمةٌ لا محالة.

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا