29.9 C
Port Sudan
الإثنين, يونيو 8, 2026

السودان بعد الحرب الاقتصاد أولًا.. لماذا تمثل النهضةالإنتاجية الحل الوحيد للتعافي الوطني؟ بقلم..حاتم حسن احمد


منذ اندلاع الحرب، تعرض الاقتصاد السوداني لأكبر صدمة في تاريخه الحديث فقد تراجعت معدلات الإنتاج، وتضررت البنية التحتية، وتوقفت آلاف المنشآت الصناعية والتجارية، وانخفضت الصادرات، وارتفعت معدلات البطالة والفقر، بينما واجهت المالية العامة للدولة ضغوطًا غير مسبوقة. ومع ذلك، فإن الأزمة الحالية، رغم قسوتها، تحمل في طياتها فرصة تاريخية لإعادة بناء الاقتصاد السوداني على أسس أكثر قوة وكفاءة واستدامة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس كيف نعالج آثار الحرب فقط؟ بل كيف نحول الأزمة إلى نقطة انطلاق نحو اقتصاد جديد أكثر قدرة على النمو والصمود؟ الإجابة تكمن في تبني مشروع وطني شامل للتعافي الاقتصادي يقوم على مبدأ بسيط لكنه حاسم الإنتاج أولًا.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول الخارجة من النزاعات لا تتعافى عبر التوسع في الإنفاق الحكومي أو الاعتماد على المساعدات الخارجية وحدها، وإنما من خلال إعادة تشغيل عجلة الإنتاج وخلق فرص العمل وتحفيز الاستثمار. ولذلك فإن الأولوية القصوى في السودان يجب أن تكون لإعادة بناء القطاعات الإنتاجية القادرة على توليد الدخل والصادرات والنقد الأجنبي.
ويمتلك السودان ميزات استثنائية تؤهله لتحقيق ذلك. فهو من أكبر الدول الإفريقية امتلاكًا للأراضي الزراعية الخصبة، ويملك ثروة حيوانية ضخمة، وموارد معدنية متنوعة، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا يربط إفريقيا بالعالم العربي، فضلًا عن سوق إقليمية واسعة يمكن النفاذ إليها بسهولة.
ومن هنا فإن استراتيجية التعافي يجب أن ترتكز على خمسة محاور رئيسية. المحور الأول إطلاق برنامج طوارئ للإنتاج الزراعي والحيواني، باعتباره القطاع الأسرع قدرة على تحقيق عوائد اقتصادية مباشرة ويشمل ذلك توفير التمويل والمدخلات الزراعية وتأهيل المشاريع الكبرى وتسهيل حركة المنتجات نحو الأسواق المحلية والخارجية.
المحور الثاني إعادة تشغيل المصانع والمنشآت المتوقفة من خلال حزم تمويلية خاصة وإعفاءات ضريبية مؤقتة وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، بما يعيد النشاط الصناعي ويخفض الاعتماد على الواردات.
المحور الثالث تبني مشروع وطني للبنية التحتية يركز على الكهرباء والطرق والموانئ والاتصالات، باعتبارها الركائز الأساسية لأي عملية إنتاج أو استثمار. فلا يمكن جذب المستثمرين أو زيادة الإنتاج دون خدمات أساسية مستقرة وفعالة.
المحور الرابع إصلاح بيئة الأعمال ومحاربة البيروقراطية والفساد فالاستثمار يبحث دائمًا عن الوضوح والاستقرار وسرعة الإجراءات. وكل يوم تأخير في الإصلاحات يعني فقدان فرص استثمارية يحتاجها السودان بشدة.
المحور الخامس تأسيس صندوق وطني لإعادة الإعمار والتنمية يعمل وفق أعلى معايير الحوكمة والشفافية، وتشارك فيه الدولة والقطاع الخاص والمغتربون والشركاء الدوليون، مع رقابة صارمة تضمن توجيه الموارد نحو الأولويات الحقيقية بعيدًا عن الهدر والفساد.
كما أن السودان يحتاج إلى تغيير جوهري في فلسفة إدارة الاقتصاد فمرحلة ما بعد الحرب لا تحتمل السياسات التقليدية أو المعالجات الجزئية المطلوب هو الانتقال من اقتصاد يعتمد على تصدير المواد الخام إلى اقتصاد قائم على القيمة المضافة والتصنيع الزراعي والتحويلي، بما يضاعف العائدات ويوفر فرص العمل ويعزز الاستقرار الاجتماعي.
ولا يقل أهمية عن ذلك استعادة الثقة بين الدولة والقطاع الخاص فالمستثمر المحلي يجب أن يكون شريكًا أساسيًا في عملية التعافي، لا مجرد ممول أو متلقٍ للقرارات كما أن ملايين السودانيين بالخارج يمثلون قوة اقتصادية هائلة يمكن أن تتحول إلى رافعة للتنمية إذا توفرت لهم البيئة المناسبة للاستثمار.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه السودان اليوم هو تأجيل التفكير في التعافي الاقتصادي إلى ما بعد انتهاء الحرب بالكامل فالتعافي ليس مرحلة تلي الحرب، بل عملية تبدأ أثناءها وتستمر بعدها وكل يوم يتم فيه استعادة مشروع زراعي أو تشغيل مصنع أو إصلاح محطة كهرباء أو فتح طريق تجاري يمثل خطوة نحو استعادة الدولة نفسها.
إن معركة السودان الحقيقية في المرحلة المقبلة ليست معركة إعادة الإعمار فقط، بل معركة بناء اقتصاد منتج وقادر على المنافسة فالدول لا تنهض بالشعارات ولا بالمساعدات وحدها، وإنما بالإنتاج والعمل والاستثمار وإذا نجح السودان في تحويل موارده الهائلة إلى قوة اقتصادية منظمة، فإن الأزمة الحالية قد تصبح نقطة البداية لأكبر نهضة اقتصادية يشهدها منذ الاستقلال.
التعافي الاقتصادي السوداني لن يتحقق عبر الاقتراض أو المساعدات فقط، بل عبر مشروع وطني للإنتاج والإعمار يقوده القطاع الخاص وتدعمه الدولة بسياسات ذكية ومؤسسات قوية وحوكمة صارمة. وهذا هو الطريق الأقصر والأكثر استدامة نحو الاستقرار والازدهار.

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا