لم تكن صناعة السكر في السودان مجرد نشاط اقتصادي تقليدي، بل مثلت لعقود طويلة أحد أعمدة المشروع الوطني للتنمية، ونموذجاً متكاملاً يجمع بين الزراعة والصناعة والاستقرار الاجتماعي. فمنذ ستينيات القرن الماضي، نجح السودان في بناء قطاع سكر طموح، قاده إلى تحقيق مستويات متقدمة من الاكتفاء الذاتي، قبل أن يدخل اليوم في مرحلة تراجع مقلق، يهدد بفقدان هذا الإرث الاستراتيجي.
بدأت القصة مع إنشاء مصانع السكر الكبرى مثل الجنيد وحلفا الجديدة وسنار، وصولاً إلى عسلاية في أواخر السبعينيات (يخصص المقال القادم لازمة مصنع سكر عسلاية بشكل تفصيلي يوضح الوضع الكارثي للمصنع الان)، حيث تشكلت لاحقاً منظومة مؤسسة السكر السودانية ككيان حكومي يقود هذا القطاع وقد قامت هذه المشروعات على فلسفة واضحة استغلال الموارد الطبيعية الوفيرة من أراضٍ ومياه، وتحويلها إلى قيمة مضافة عبر التصنيع، مع تحقيق هدف مزدوج يتمثل في تأمين سلعة استراتيجية وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
ولم يقتصر أثر هذه المصانع على الإنتاج فحسب، بل امتد إلى بناء مجتمعات كاملة حولها. فقد تحولت مناطق مثل عسلاية والجنيد وغرب سنار وحلفا الجديدة إلى مراكز تنموية حقيقية، حيث نشأت المدن، وتوفرت الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وبنية تحتية، وارتبطت حياة آلاف الأسر بشكل مباشر بهذه الصناعة، ما جعلها ركيزة للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في آن واحد.
في منتصف السبعينيات، جاءت تجربة سكر كنانة لتشكل نقلة نوعية في هذا القطاع فقد تأسس المشروع على شراكة عربية–سودانية، واعتمد نموذجاً إدارياً ومالياً أكثر مرونة واحترافية، ما مكنه من تحقيق إنتاجية عالية وتطوير صناعات مكملة مثل الإيثانول وتوليد الكهرباء والأعلاف. لم تكن كنانة مجرد مصنع، بل مشروع تنموي متكامل، أثبت أن النجاح في هذا القطاع لا يرتبط فقط بالموارد، بل بنوعية الإدارة وكفاءة التشغيل.
لاحقاً، ظهرت تجربة شركة سكر النيل الأبيض كمحاولة لإعادة إحياء القطاع بروح استثمارية حديثة، مستفيدة من دروس كنانة، وساعية إلى تعزيز الإنتاج وربطه بالأسواق الخارجية. غير أن هذه المحاولات ظلت محدودة التأثير أمام التدهور الكبير الذي أصاب مصانع القطاع العام.
فخلال العقود الأخيرة، دخلت صناعة السكر في السودان مرحلة من التراجع التدريجي، خاصة في مصانع مؤسسة السكر السودانية ويمكن إرجاع هذا التدهور إلى مزيج من العوامل، أبرزها اختلال السياسات الاقتصادية، وارتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة الرسوم والجبايات، إلى جانب ضعف الصيانة وتراكم التقادم في الآلات، فضلاً عن البيروقراطية الإدارية التي أعاقت اتخاذ القرار وأضعفت الكفاءة التشغيلية.
كما لعبت الأزمات الاقتصادية والحروب دوراً محورياً في تعميق هذا التدهور، إذ أدت إلى اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف التمويل، وتراجع القدرة على استيراد مدخلات الإنتاج من قطع الغيار والوقود والأسمدة ومع تدهور قيمة العملة المحلية، أصبحت عمليات التشغيل أكثر كلفة وأقل جدوى، في وقت تزايدت فيه الحاجة إلى الاستيراد لتغطية الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
ولم يكن الأثر الاقتصادي وحده هو ما تضرر، بل امتد التراجع ليصيب البعد الاجتماعي الذي شكل أحد أهم أعمدة هذه الصناعة فقد شهدت المجتمعات التي نشأت حول مصانع السكر تراجعاً في مستوى الخدمات وفرص العمل، ما أدى إلى هجرة العمالة وتفكك البنية الاقتصادية المحلية، وهو ما يعكس كيف أن تراجع قطاع واحد يمكن أن ينعكس على منظومة كاملة من الاستقرار الاجتماعي.
اليوم، يقف السودان أمام مفترق طرق حاسم فيما يتعلق بصناعة السكر. فإما أن يستمر هذا المسار التراجعي بما يحمله من مخاطر فقدان الأمن الغذائي والاعتماد الكامل على الاستيراد، أو أن يتم تبني رؤية إصلاحية جادة تعيد لهذا القطاع عافيته ومكانته الاستراتيجية.
وتكمن ملامح هذه الرؤية في عدة محاور أساسية، أولها إعادة هيكلة مؤسسة السكر السودانية، بما يضمن استقلالية القرار الإداري ورفع كفاءة التشغيل، مع فتح المجال أمام شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي. وثانيها تبني سياسات إنتاجية واضحة تقوم على خفض تكاليف الإنتاج، من خلال مراجعة الرسوم والجبايات، وتوفير مدخلات الإنتاج بأسعار مدعومة أو تفضيلية.
أما المحور الثالث، فيتمثل في تحديث البنية التحتية للمصانع، عبر برامج تأهيل وصيانة شاملة، وإدخال تقنيات حديثة ترفع من كفاءة الإنتاج وتقلل الفاقد. ويضاف إلى ذلك ضرورة التوسع في الصناعات التحويلية المرتبطة بالسكر، مثل إنتاج الإيثانول والطاقة والأعلاف، بما يعزز القيمة المضافة ويزيد من تنوع مصادر الدخل.
ولا يمكن إغفال أهمية الاستثمار في العنصر البشري، من خلال التدريب والتأهيل المستمر للكوادر الفنية والإدارية، وربط الحوافز بالإنتاجية، بما يسهم في خلق بيئة عمل محفزة قادرة على استعادة روح الريادة التي ميزت هذا القطاع في السابق.
إن تجربة السودان في صناعة السكر، من الجنيد إلى كنانة، تقدم درساً واضحاً الموارد وحدها لا تكفي، بل لا بد من إدارة رشيدة، وسياسات مستقرة، ورؤية استراتيجية طويلة الأمد وبين مرارة التراجع وإمكانية النهوض، تظل الفرصة قائمة، شريطة أن تتوفر الإرادة السياسية والإصلاح المؤسسي الحقيقي.
فصناعة السكر ليست مجرد أرقام إنتاج واستهلاك، بل هي قصة وطن، ومقياس لقدرة الاقتصاد السوداني على تحويل إمكاناته إلى واقع تنموي مستدا

