تتسارع التحركات الدبلوماسية الإقليمية والدولية بحثاً عن مخرج للأزمة السودانية ، التي أكملت عامها الثالث ودخلت عامها الرابع في وقت تتفاقم فيه الكارثة الإنسانية لتبلغ مستويات غير مسبوقة عالمياً. وفي خضم تعدد المبادرات وتضاربها أحياناً، يبرز الجدل حول التدخلات الخارجية، ومحاولات بعض الأطراف الدولية تجاوز السيادة الوطنية السودانية عبر مؤتمرات تُعقد بمعزل عن الحكومة الشرعية ،آخرها مؤتمر برلين الأسبوع الماضي
حول هذه الملفات الشائكة، ومآلات الوضع الإنساني والسياسي، أجرى برنامج “السودان في الصحافة العالمية ” على قناة إسانبير الذي تعده وتقدمه الصحفية أفراح تاج الختم حوار مع رامي زهدي، نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات الاستراتيجية وخبير الشؤون الأفريقية، لتقديم قراءة تحليلية موضوعية للمشهد السوداني .
_ بدايةً أستاذ رامي، كشفت تقارير دولية حديثة، أبرزها تقرير لجامعة “ييل” وتحقيقات مدعومة بصور الأقمار الصناعية، عن تورط إثيوبيا في تقديم دعم عسكري لميليشيا الدعم السريع. كيف تقرأ هذه المؤشرات؟
بالتأكيد، هذه التقارير تأتي في إطار المؤشرات القوية والقرائن المتراكمة التي تستكمل حلقة اتهامات وأدلة سابقة تمتلكها مؤسسات الدولة السودانية
صور الأقمار الصناعية والمصادر المفتوحة أصبحت اليوم أدوات أساسية في تحليل النزاعات؛ فهي وإن كانت لا تُظهر “النوايا” بشكل مباشر، إلا أنها تكشف التحركات، التجمعات، ومسارات الدعم اللوجستي المستمر.
بوضع تلك التقارير إلى جوار أدلة ميدانية واستخباراتية أخرى، تتبلور لدى الدولة السودانية قرائن قوية تشير إلى نشاط غير اعتيادي، وغير شرعي، يستهدف دعم ميليشيا مسلحة في مواجهة المؤسسة والدولة الوطنية السودانية.
–هل تعتقد أن الخرطوم ستتجه نحو التصعيد الدبلوماسي ضد إثيوبيا ؟أو غيرها من الدول المتورطة؟
السودان يحاول بالفعل التصعيد ضد الأطراف المتورطة في إطالة أمد الحرب.
يبدو جلياً أن استمرار الأزمة يصب في صالح قوى خارجية ترى في استقرار السودان خطراً عليها، وتعتبر الحرب “مغنماً” لها.
السودان دولة كبيرة وتمتلك من الأدوات المؤسسية والدبلوماسية ما يمكنها من تصعيد الأمر، وهذا تحرك ضروري، لأن الحق السوداني في حماية سيادته ومحاسبة من ساهم في تدمير مقدراته حق أصيل لا يسقط أبداً بالتقادم، وحتماً سيأتي الوقت الذي تراجع فيه الدولة السودانية، بعد استقرارها، مواقف كل من دعم الأزمة.
–أعلنت الحكومة السودانية رفضها المشاركة في “مؤتمر برلين”. كيف تقيّم هذا الموقف، خاصة أن الجهات الداعية تبرر تحركها بالسعي لوقف الحرب وحشد الدعم الإنساني؟
يتشابه مؤتمر برلين مع مؤتمرات سابقة عُقدت في باريس ولندن؛ فهي تدور في فلك “الاستهلاك السياسي والدبلوماسي” الدولي، وتقدم إطاراً شكلياً دون نتاج حقيقي على الأرض، حتى المساعدات المتعهد بها غالباً لا تجد طريقها للتنفيذ.
اعتراض السودان موقف موضوعي وواجب للحفاظ على السيادة الوطنية. استبعاد الحكومة السودانية الرسمية يعكس “أزمة ثقة” ومحاولات لتجاوز الدولة الوطنية ومؤسساتها الرسمية، ومحاولة خطيرة لإضفاء شرعية على ميليشيا متمردة ووضعها على قدم المساواة مع جيش وطني يدافع عن دولته.
أي مخرجات تصدر عن مؤتمرات تتجاوز الدولة السودانية ستكون نتائجها “منقوصة” وغير قابلة للتنفيذ. الحل مهما تدخل العالم، يجب أن يظل حلاً “سودانياً-سودانياً”، ودور المجتمع الدولي يجب أن يقتصر على تهيئة الأجواء وإزالة العقبات، لا فرض الوصاية.
–في سياق التحركات الإقليمية، دعا مبعوث “الإيغاد” إلى توحيد المبادرات لإنهاء الصراع. هل تعدد المبادرات يضر بمسار التسوية؟
ازدحام المبادرات وتنافسها، وتضاد أهدافها في كثير من الأحيان، يضعف بشدة فرص الوصول إلى حل حقيقي. التكاتف في مسار تفاوضي موحد المطلب الأكثر واقعية اليوم. الأهداف واضحة ويجب أن تتفق عليها أي مبادرة: الحفاظ على سيادة الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية، إنهاء الأزمة الإنسانية، وعودة المهجرين.
تعدد المسارات في ظل إصرار بعض الجهات -كما فعلت الإيغاد سابقاً- على ارتكاب الخطأ الفادح بمساواة طرفي الصراع، لن يؤدي إلا لمزيد من التعقيد.
–أثار لقاء المبعوث الأممي بقائد الدعم السريع (حميدتي) تساؤلات عدة، وتلاه دعوة الأخير لافتتاح مكاتب أممية في مناطق سيطرته. ألا يمثل ذلك اعترافاً دولياً ضمنياً بشرعية الميليشيا أو بحكومة موازية؟
اللقاء مقبول من حيث “التوصيف الوظيفي” فقط، ولكنه قطعاً ليس اعترافاً بالسيادة ولا يمثل قراراً سياسياً.
الأمم المتحدة، وكما هو معروف، لا تعترف بالميليشيا ولا بحكومات موازية تخالف القوانين والأطر الرسمية الدولية.
تواصل الأمم المتحدة وافتتاح المكاتب في مناطق النزاع “إجراء وظيفي وتشغيلي بحت” تفرضه الحاجة لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية للمدنيين المحاصرين في تلك المناطق.
الاعتقاد بأن هذه الخطوة تمنح الميليشيا شرعية مجرد وهم؛ فهذا الموقف لا يبيّض وجه الميليشيا ولا يضفي على تحركاتها أي مشروعية.
–وصف برنامج الأغذية العالمي الوضع في السودان بأنه “أكبر أزمة جوع إنسانية في العالم”. ما دلالات هذا التوصيف الخطير؟
هذا التوصيف الرسمي يعني أننا أمام انهيار شامل في الأمن الغذائي نتيجة تدمير الاقتصاد وتعطل سلاسل الإمداد والإنتاج. نحن لا نتحدث عن أزمة عابرة، بل عن تهديد مباشر للأجيال القادمة من أطفال وشباب باتوا يواجهون الموت جوعاً. لا يمكن أن ننتظر من جيل يفتقد لأبسط مقومات الحياة الإنسانية والأمن الغذائي أن ينهض مستقبلاً لإعادة بناء وطنه.
–تحدثت تقارير أممية عن تقليص الدعم لمئات الآلاف من اللاجئين السودانيين في تشاد. كيف يمكن مواجهة تلك المأساة في ظل تراجع التمويل الدولي؟
الوضع في تشاد مرشح ليكون الأسوأ على الإطلاق. اللاجئون هناك يعانون من ضغط شديد على الموارد وتراجع ملحوظ في الدعم الدولي، والدولة المستضيفة نفسها تواجه تحديات جمة.
أعتقد أنه لم يعد مجدياً انتظار الحلول أو التمويل من خارج القارة بشكل كامل.
الأزمة تتطلب تفعيل آلية “الاعتماد على الذات” والتكاتف الإقليمي العاجل. المنطقة العربية والأفريقية الأولى والأجدر بتحمل المسؤولية وتقديم نموذج إنساني للوقوف بجانب الشعب السوداني، لأن تداعيات هذا الانهيار الإنساني والأمني، إن استمر، لن تتوقف عند حدود السودان، بل ستمتد لتهدد أمن وسلم الإقليم بأسره، بما في ذلك أمن البحر الأحمر.

