ليس جديدًا على الاقتصاد السوداني أن يلجأ إلى الحلول السريعة لكن الجديد هو حجم الكلفة التي يدفعها المواطن في كل مرة. قرار رفع الدولار الجمركي يأتي في هذا السياق محاولة لسد فجوة الإيرادات لكنها في الواقع تفتح فجوات أعمق في جسد الاقتصاد.
حين يرتفع الدولار الجمركي – من حدود تقارب 650 جنيهًا إلى نحو 900 جنيه أو أكثر – من ٢.٨٢٦ الي ٣.٢٢٢ جنبها بنسبة زيادة تصل ١٤ % فإن الرسالة المباشرة للسوق واضحة كل شيء سيرتفع ليس لأن التجار جشعون بالضرورة بل لأن التكلفة نفسها قد ارتفعت والسودان، الذي يعتمد على الاستيراد في أكثر من 70% من احتياجاته لا يملك رفاهية امتصاص مثل هذه الصدمات.
المحصلة لا تحتاج إلى كثير من التحليل؛ زيادة في الأسعار قد تصل إلى 30% في بعض السلع، تُضاف إلى تضخم متراكم تجاوز في فترات سابقة 200% هنا لا نتحدث عن رفاهيات، بل عن غذاء ودواء ومدخلات إنتاج أي أننا ببساطة نعيد إنتاج الأزمة ولكن بمستوى أعلى من الألم.
قد تبدو الفكرة مغرية من زاوية وزارة المالية إيرادات جمركية أعلى ربما تصل إلى زيادة بنسبة 25% أو أكثر لكن هذه النظرة تتجاهل حقيقة أساسية أن رفع الرسوم لا يعني بالضرورة زيادة التحصيل فالتاجر الذي يعجز عن الاستيراد سيتوقف والذي يستطيع سيلجأ إلى تقليل الكميات أو البحث عن طرق التفاف، وهنا ينشط التهريب وتضيع الدولة بين رقم نظري على الورق وواقع أقل على الأرض.
المفارقة الأكبر أن هذا القرار يُسوَّق أحيانًا باعتباره داعمًا للإنتاج المحلي بينما الحقيقة أن الصناعة في السودان تعتمد بشكل كبير على مدخلات مستوردة. وبالتالي فإن رفع الدولار الجمركي لا يحمي المنتج المحلي بل يرفع تكلفة إنتاجه فيضعفه في مواجهة سلعة مهربة أو مستوردة بطرق غير رسمية.
المواطن كالعادة هو الحلقة الأضعف راتب ثابت، أو دخل متآكل، في مقابل أسعار لا تعرف السكون النتيجة ليست فقط تراجعًا في مستوى المعيشة، بل تآكلًا مستمرًا للطبقة الوسطى واتساعًا لدائرة الفقر، وهو ما ينعكس لاحقًا على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي معًا.
ما كان يمكن فعله ليس سرًا. إدخال القطاع غير الرسمي، الذي يمثل أكثر من 60% من النشاط الاقتصادي، إلى المظلة الضريبية كان كفيلًا بتحقيق إيرادات مستدامة دون الضغط على المستهلك مكافحة التهريب – الذي يكلف البلاد ما بين 2 إلى 4 مليارات دولار سنويًا – كانت ستوفر موارد تفوق بكثير ما يُنتظر من هذا القرار. كذلك، فإن ترشيد الإنفاق الحكومي ووقف النزيف في البنود غير المنتجة يظل خيارًا أكثر عدالة وفاعلية.
أما الإصلاح الحقيقي، فيبدأ من توحيد سعر الصرف، لا تعدد مساراته. فكلما تعددت الأسعار، تعددت فرص الفساد والمضاربة، وتراجعت ثقة السوق.
الخلاصة أن رفع الدولار الجمركي ليس خطأً في ذاته بقدر ما هو خطأ في التوقيت والسياق فهو أشبه بمن يعالج الحمى بكسر ميزان الحرارة قد يبدو الرقم أفضل للحظة لكن المرض يظل قائمًا… وربما أكثر تعقيدًا.
الاقتصاد لا يُدار بالحلول الأسهل، بل بالحلول الأصح وبينهما يدفع المواطن الفارق.

