في أزمنة الاضطراب، لا تختفي الفوضى فقط في الشارع، بل تتمدد داخل مفاصل الاقتصاد، حيث تنشأ طبقة من الفاعلين غير الرسميين الذين يتقنون استثمار الأزمات أكثر من معالجتها في السودان، ومع تعقيدات الحرب وتراجع الأداء المؤسسي، برز ما يُعرف بسماسرة الأزمات كقوة اقتصادية موازية، تستغل ضعف الدولة، وتعيد تشكيل السوق وفق مصالحها، على حساب الإنتاج والتنمية والاستقرار.
هذه الظاهرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن البيئة التي أنتجتها فاقتصاد يعاني من اختلالات هيكلية، ومؤسسات تعاني من ضعف في الرقابة، وقرارات تتأرجح بين الارتجال والاستثناء، كلها عوامل خلقت مناخاً مثالياً لازدهار اقتصاد الوساطة على حساب الاقتصاد الحقيقي وهنا لا يكون السمسار مجرد وسيط، بل لاعباً رئيسياً يُحرك السوق، ويؤثر في القرار، ويصنع الندرة أحياناً ليبيعها بسعر أعلى.
في جوهر نشاط سماسرة الأزمات، تكمن معادلة بسيطة فكلما زادت الندرة، زادت الأرباح لذلك نجدهم حاضرين في كل مفصل حيوي الوقود، السلع الاستراتيجية، النقد الأجنبي، وحتى في التعاقدات الحكومية يستفيدون من معلومات غير متاحة للعموم، ومن علاقات تمكنهم من الحصول على تسهيلات استثنائية بل من استصدار قرارات من الدولة أو تمرير قرارات خارج الأطر القانونية المنظمة لعمل القطاعين العام والخاص
وهنا تتجلى الإشكالية الأكبر حين تتحول بعض أدوات الدولة، بقصد أو بغير قصد، إلى وسائل لخدمة اقتصاد الأزمة فالالتفاف على القوانين، ومنح امتيازات حصرية دون منافسة، وإصدار قرارات مفصلة على مقاس مصالح ضيقة، كلها ممارسات تُضعف هيبة الدولة، وتضرب مبدأ تكافؤ الفرص، وتفتح الباب واسعاً أمام الفساد المنظم.
النتيجة المباشرة لهذا الواقع هي تشوه بنية الاقتصاد. إذ يتراجع المنتج الحقيقي أمام الوسيط، وتفقد القطاعات الزراعية والصناعية قدرتها على المنافسة، في ظل بيئة غير عادلة ومع مرور الوقت يتحول الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي يعتمد على المضاربات والوساطة، بدلاً من الإنتاج والقيمة المضافة ويقود ذلك إلى ارتفاع الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية، واتساع دائرة الفقر.
ليس خافياً أن مثل هذه الظواهر يمكن أن تصيب حتى الاقتصادات القوية لكن الفارق يكمن في قدرة تلك الدول على ضبط السوق عبر مؤسسات فعالة وقوانين صارمة أما في السودان، حيث الاقتصاد منهك أصلاً فإن أثر سماسرة الأزمات يكون مضاعفاً، وقد يهدد بانهيار قطاعات حيوية، ويُفقد المواطنين الثقة في النظام الاقتصادي برمته.
معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتم عبر حلول جزئية أو حملات موسمية، بل تتطلب إصلاحاً مؤسسياً عميقاً يعيد الاعتبار لدولة القانون. يبدأ ذلك بتفعيل القوانين المسنودة باللوائح الصارمة والعقوبات والمحاكمات الفورية ويبدأ ذلك بتفعيل القوانين المنظمة للشراء والتعاقد والاستثمار، وإلغاء الاستثناءات غير المبررة، وتعزيز الشفافية في كل ما يتعلق بالقرارات الاقتصادية. كما يتطلب تمكين الأجهزة الرقابية ومنحها الاستقلالية، حتى تقوم بدورها في مكافحة الفساد دون تدخل.
في المقابل يجب إعادة توجيه السياسات الاقتصادية لدعم المنتجين الحقيقيين، عبر توفير التمويل والتسهيلات للقطاعات الإنتاجية، وحمايتها من المنافسة غير العادلة كما أن بناء قاعدة بيانات اقتصادية لتقليل فجوة المعلومات التي يستغلها السماسرة لتحقيق أرباح غير مشروعة ولا يقل أهمية عن ذلك سن تشريعات واضحة تجرم استغلال الأزمات، خاصة فيما يتعلق بالاحتكار والتلاعب بالأسواق، مع فرض عقوبات رادعة تعيد الانضباط للسوق لا فغياب الردع هو ما يغري هذه الفئات بالتمدد، ويحول الاستثناء إلى قاعدة.
في المحصلة سماسرة الأزمات ليسوا مجرد عرض جانبي، بل هم انعكاس مباشر لخلل أعمق في بنية الدولة والاقتصاد ومواجهتهم ليست خياراً، بل ضرورة لاستعادة التوازن، وبناء اقتصاد يقوم على الإنتاج لا الوساطة، وعلى العدالة لا الامتيازات.
فالدول لا تنهض حين تتحول أزماتها إلى تجارة، ولا تستقر حين يُترك اقتصادها رهينة لشبكات المصالح الضيقة وما لم تُحسم هذه المعركة لصالح القانون والمؤسسات، سيظل اقتصاد الظل أقوى من الدولة، وسيبقى المستقبل مرهوناً بعبث اللحظة.

