25.2 C
Port Sudan
الأحد, مارس 15, 2026

الخبير الاقتصادي حاتم حسن احمد..يكتب..حين تُدار الدولة بالهوى… ويُترك الوطن للصدفة


في الدول التي تحترم نفسها تُدار المؤسسات بالقانون واللوائح، وتُقاس القرارات بميزان المصلحة العامة، وتُبنى السياسات على رؤية وطنية متفق عليها. أما حين تغيب المؤسسية، وتعلو فوقها الحسابات الحزبية والشخصية، فإن الدولة تفقد توازنها شيئاً فشيئاً، وتتحول مؤسساتها إلى ساحات صراع للمصالح الضيقة، ويصبح الوطن هو الخاسر الأكبر.
هذا المشهد، للأسف، يكاد يختصر حال الدولة السودانية في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها. فبينما يرزح الاقتصاد تحت وطأة حربٍ مدمرة استنزفت موارده وبنيته التحتية، وتبددت فيها مقدرات البلاد، كان المتوقع أن تتجه بوصلة الدولة نحو إعادة ترتيب الأولويات، وبناء مؤسسات قوية قادرة على قيادة مرحلة التعافي وإعادة الإعمار. غير أن الواقع يشير إلى أن بوصلة الاهتمام ما زالت تدور في فلك التعيينات، وتشكيل مجالس الإدارات، وتقاسم المواقع، وكأن معركة التنمية يمكن أن تُكسب بتغيير الأسماء لا بتغيير السياسات.
إن غياب المؤسسية لا يعني فقط خللاً إدارياً عابراً، بل هو أزمة بنيوية تضرب في عمق الدولة. فحين لا تكون هناك قواعد واضحة لاتخاذ القرار، وحين تصبح المناصب العامة امتداداً للنفوذ الحزبي أو الشخصي، تتراجع الكفاءة لصالح الولاء، وتتآكل ثقة المواطن في مؤسسات دولته، وتبهت هيبة الدولة التي لا تقوم إلا على العدل والشفافية والالتزام بالقانون.
والأخطر من ذلك أن هذا الواقع يُلقي بظلاله الثقيلة على الاقتصاد السوداني، الذي يعاني أصلاً من آثار الحرب، وتوقف كثير من الأنشطة الإنتاجية، وتضرر البنية التحتية في الزراعة والصناعة والخدمات. ففي مثل هذه الظروف، تحتاج البلاد إلى إدارة اقتصادية صارمة، تعلي قيمة الإنتاج، وتضع خططاً عاجلة لإحياء القطاعات المنتجة، وتفتح أبواب الاستثمار، وتعيد الثقة للأسواق. لكن حين تنشغل الدولة بإعادة توزيع الكراسي، بدلاً من إعادة تشغيل المصانع والمزارع، فإنها عملياً تؤجل التعافي وتطيل أمد الأزمة.
إن المتداول بين الناس عن حجم الخلل والفوضى لم يعد مجرد انطباعات أو شكاوى عابرة، بل أصبح واقعاً يطال معظم القطاعات الإنتاجية. الزراعة التي كانت عماد الاقتصاد، والصناعة التي كان يُعوَّل عليها لخلق القيمة المضافة، وحتى الخدمات الأساسية، كلها تعاني من اضطراب في الإدارة وتداخل في الصلاحيات وغياب في الرؤية. وبدلاً من أن تعمل هذه القطاعات ضمن منظومة متكاملة تقودها الدولة برؤية واضحة، تبدو وكأنها جزر معزولة، كلٌ يجتهد بطريقته، وكل مبادرة تعمل وحدها دون إطار جامع.
ولا شك أن بعض هذه الاجتهادات تستحق التقدير، لأنها تعكس رغبة صادقة في الإصلاح والعمل. غير أن أثرها يظل محدوداً ما دامت تتحرك خارج مشروع وطني شامل. فالأوطان لا تُبنى بالمبادرات الفردية وحدها، بل بالمشروعات الكبرى التي تتفق عليها القوى الوطنية، وتلتزم الدولة بتنفيذها عبر مؤسسات راسخة.
إن السودان اليوم في حاجة ماسة إلى ما هو أكثر من إدارة يومية للأزمات؛ إنه بحاجة إلى مشروع وطني جامع لإعادة البناء، مشروع يضع الاقتصاد في قلب الأولويات، ويعيد الاعتبار للإنتاج، ويحدد بوضوح دور الدولة والقطاع الخاص والمجتمع في عملية الإعمار. مشروع يتفق عليه السودانيون بوصفه الحد الأدنى المشترك الذي تتراجع أمامه الحسابات الحزبية والشخصية.
فهيبة الدولة لا تُستعاد بالخطب، بل بالمؤسسات. والاقتصاد لا ينهض بالشعارات، بل بالإنتاج. وإعادة الإعمار لا تبدأ من تشكيل المجالس، بل من تشغيل الحقول والمصانع والموانئ.
وإذا لم تدرك الدولة هذه الحقيقة في الوقت المناسب، فإن الخطر لن يكون فقط في تعثر التعافي الاقتصادي، بل في استمرار حالة التآكل البطيء لثقة المجتمع في مؤسساته. وعندها يصبح إصلاح ما تهدم أكثر كلفةً وتعقيداً.
إن اللحظة السودانية الراهنة لا تحتمل ترف إضاعة الوقت. فالوطن الذي أنهكته الحرب يحتاج إلى دولة قوية بمؤسساتها، واضحة في رؤيتها، عادلة في قراراتها، ومخلصة في انحيازها للإنتاج والتنمية. وما دون ذلك سيظل مجرد إدارة للأزمة، لا طريقاً للخروج منها.

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا