المواجهة المتصاعدة بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة والتي تدور الآن لم تكن مفاجأة للكثيرين ويمكن توصيفها بانها حرب اقتصادية وفي البال ما حدث بفنزويلا وان الهدف السيطرة على نفطها واكتملت اللوحة بهذا التصعيد الماثل الان ففي عالمٍ تتشابك فيه خطوط النار مع الاقتصاد، لم تعد الحروب شأناً عسكرياً صرفاً، بل أصبحت أحداثاً اقتصادية عابرة للحدود، تعيد تشكيل خرائط المال والطاقة والاستثمار.
بالرجوع للحرب الخفية بين أمريكا والصين التي يتقدم كل طرف فيها بحسابات الاس والمقام فيها النفط في ظل نضوب الموارد عالميا فالصين وباعتمادها على النفط خارجها بنسبة تتجاوز 60% لا شيء يمكن أمريكا من خنقها غير صناعة الازمات في العالم وتحديدا المحور النفطي.
مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يجد الاقتصاد السوداني نفسه – رغم هشاشته الداخلية – جزءاً من معادلة إقليمية معقدة، تتجاوز الجغرافيا لتطال الأسواق والموارد والتحويلات والتوازنات السياسية.
دعونا نقرأ بهدوء فأي تصعيد عسكري مباشر أو غير مباشر يهدد الملاحة في مضيق هرمز أو البحر الأحمر سيؤدي إلى قفزات في أسعار النفط العالمية والسودان، رغم خروجه من قائمة كبار المنتجين بعد انفصال الجنوب، لا يزال اقتصاداً مستورداً صافياً للوقود، ما يجعله عرضة لثلاثة تأثيرات مباشرة تتمثل في ارتفاع فاتورة الاستيراد النفطي وزيادة التضخم نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج وضغط إضافي على سعر الصرف والاحتياطي النقدي فإن ارتفاع أسعار النفط دولاراً واحداً فقط ينعكس مضاعفاً على اقتصاد هش يعاني أصلاً من عجز هيكلي في الميزان التجاري.
التأثير الآخر يُعد الذهب المورد الأول للنقد الأجنبي في السودان وفي ظل هذه المواجهة بين واشنطن وطهران، تتوسع دائرة العقوبات والرقابة على التحويلات المالية وحركة الذهب عبر شبكات غير رسمية ، هنا يبرز تقاطع حساس أي تشديد أمريكي على مسارات تمويل إيران قد يدفع إلى رقابة أشد على الأسواق غير المنظمة في المنطقة فالسودان، الذي عانى سابقاً من العقوبات الأمريكية، قد يتأثر سلباً إذا عادت لغة الاشتباه الجيوسياسي إلى المشهد فالاقتصاد الرمادي الذي يشكل نسبة معتبرة من النشاط السوداني يصبح أكثر عرضة للتجفيف أو التضييق.
كذلك الردود الإقليمية المحدودة كما هو الوضع الآن سيعيد ترتيب أولويات دول الخليج، لا سيما في ظل التزاماتها الأمنية مع الولايات المتحدة ومن ثم قد تتأثر الاستثمارات الزراعية الخليجية في السودان وتدفقات التحويلات المالية من السودانيين العاملين بالخليج مما يعيق المشروعات المشتركة في مجالات الأمن الغذائي فالدول تعيد توجيه إنفاقها في أوقات الحرب نحو الدفاع والاستقرار الداخلي، لا التوسع الخارجي.
في سياق الصراع الأمريكي – الإيراني، تتكثف الاستقطابات والسودان – بحكم موقعه الجيوسياسي المطل على البحر الأحمر – يصبح جزءاً من حسابات النفوذ البحري والعسكري.
لقد أعادت الخرطوم في السنوات الأخيرة تموضعها دولياً بعد رفع اسمها من قائمة الإرهاب الأمريكية، وسعت إلى علاقات متوازنة مع واشنطن ودول الخليج. إلا أن أي تصعيد قد يفرض عليها ضغوطاً لاختيار اصطفاف سياسي، وهو ما قد ينعكس اقتصادياً عبر تسهيلات أو قيود مصرفية ودعم أو تجميد منح وقروض وإعادة تقييم المخاطر الاستثمارية
سيناريوهات محتملة لا تخرج من ثلاث احتمالات الأول حرب محدودة قصيرة الأمد تأثيرها الأساسي سيكون في أسعار النفط والنقل، مع اضطراب مؤقت الثاني حرب إقليمية واسعة تؤدي إلى موجة تضخمية عالمية، وتراجع الاستثمارات، وارتفاع كلفة التأمين والشحن عبر البحر الأحمر الثالث حرب بالوكالة طويلة الأمد وهو السيناريو الأخطر على السودان، إذ يخلق حالة عدم يقين مزمنة تعطل أي تعافٍ اقتصادي.
الاقتصاد السوداني لا يملك ترف الصدمات الخارجية فهو يواجه أصلاً حرباً داخلية أرهقت البنية التحتية، وأضعفت الإنتاج، ورفعت معدلات الفقر ومن ثم فإن أي اضطراب إقليمي إضافي سيكون بمثابة ضغط فوق ضغط.
لكن الأزمة – كما علمتنا تجارب الدول – قد تتحول إلى فرصة إذا أحسن السودان التعامل بالرشد في إدارة صادرات الذهب بشفافية مؤسسية
وتنويع مصادر الطاقة محلياً وجذب استثمارات عربية عبر ضمانات قانونية واضحة وتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية المتوازنة
في زمن الحروب، من لا يمتلك القوة العسكرية، عليه أن يمتلك قوة الإدارة الاقتصادية والسودان اليوم أمام اختبار جديد هل يبقى متلقياً لتداعيات الصراع، أم يتحول إلى لاعب ذكي في معادلة إقليمية معقدة؟
الجواب ليس في ميدان المعركة… بل في مكاتب التخطيط وصناديق القرار الاقتصادي.

