يحتل السودان موقعًا جغرافيًا يجعله لاعبًا رئيسيًا في القضايا الإقليمية، فهو يتوسط القرن الإفريقي ويشكل حلقة وصل بين دول حوض النيل، إضافة إلى إشرافه على البحر الأحمر الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية العالمية. هذا الموقع يمنحه أهمية استراتيجية تتجاوز حدوده الوطنية، حيث يتقاطع فيه الأمن المائي مع الأمن الإقليمي والدولي، وجعله محل اطماع خارجية.
في حوض النيل، يظل السودان طرفًا محوريًا في التوازن بين دول المنبع والمصب، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي. قدرته على لعب دور الوسيط بين مصر وإثيوبيا تمنحه فرصة ليكون جسرًا للتفاهم، لكنه في الوقت ذاته يواجه تحديات داخلية تجعل هذا الدور أكثر تعقيدًا. أما في القرن الإفريقي، فإن السودان يتأثر مباشرة بالصراعات في إثيوبيا وإريتريا والصومال، ويظل جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي، حيث تتداخل حدوده مع أزمات المنطقة وتنعكس على استقراره الداخلي.
لكن السودان اليوم يعيش مرحلة استثنائية مع استمرار معركة الكرامة التي يقودها الجيش ضد مليشيات الدعم السريع الجنجويد الإرهابية منذ اندلاع القتال واشعال المليشيا للحرب في أبريل 2023. هذه المعركة التي وصفها رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بأنها “لن تنتهي إلا بنهاية التمرد” ، والذي وجد حديثة تايد كبير من الشارع السوداني .
الحرب تمثل اختبارًا صعبًا للدولة السودانية، إذ تتزامن مع ضغوط إنسانية كبيرة ، ورغم تحقيق القوات المسلحة تقدمًا في مناطق استراتيجية كانت تسيطر عليها المليشيات المرتزقة ،مثل الخرطوم والجزيرة وسنار، فإن التحديات لا تزال قائمة خاصة في إقليم دارفور وكردفان ، حيث تحاول مليشيات الدعم السريع الجنجويد الإرهابية إعادة تنظيم صفوفها، عبر الدويلة الداعمة لها (الإمارات ) التي تقود مشروع هدنة ،يرفضها الشعب السوداني قبل القوات المسلحة .
هذا الوضع الداخلي ينعكس مباشرة على دور السودان الإقليمي، فبينما يحتاج إلى استقرار داخلي ليتمكن من لعب دوره كوسيط في قضايا النيل وكفاعل في القرن الإفريقي، يجد نفسه منشغلًا بمعركة وجودية تهدد كيانه السياسي والاجتماعي. ومع ذلك، فإن موقعه الجغرافي يفرض عليه أن يظل حاضرًا في حسابات القوى الإقليمية والدولية.
آخر القول
السودان اليوم يقف عند مفترق طرق، بين معركة الكرامة التي تحدد مصيره الداخلي، وبين موقعه الاستراتيجي الذي يفرض عليه دورًا إقليميًا لا يمكن تجاهله. فإذا نجح في تجاوز أزماته الداخلية واستعادة استقراره، فإنه سيكون قادرًا على استثمار موقعه ليصبح جسرًا للتعاون في القرن الإفريقي وحوض النيل.
كسرة
أنحن البنحقق أمانينا
ونزح الوجع المتحدينا
وأنحن البنحقق أمانينا
ونزح الموج المتحدينا
جينا نخت إيدنا الخضراء فوقك يا أرض الطيبين

