24.7 C
Port Sudan
الأربعاء, فبراير 25, 2026

ثقوب سوداء في ميزانية التعليم العالي.. أين تذهب مليارات القبول الخاص بينما يغرق الأستاذ الجامعي في مستنقع الفقر..؟!بقلم..علـــي جعفـــــر


تواجه منظومة التعليم العالي بالسودان منزلقاً إدارياً خطيراً بسبب “تجنيب” الإيرادات الذاتية للجامعات بعيداً عن الخزينة العامة، مما أحدث خللاً في الحوكمة المؤسسية. فمنذ عهد النظام البائد، رفضت إدارات الجامعات توريد الرسوم الحكومية ورسوم الدراسة على النفقة الخاصة وايرادات القبول الخاص بالدولار للطلاب الأجانب وايرادات الاستثمارات المختلفة بالجامعات، كل الإيردات بالجامعات تم رفض توريدها عبر “أورنيك 15” لوزارة المالية، مما حول هذه الموارد الضخمة إلى “صناديق سوداء” لدى مديري الجامعات ومجالسها الإداريّة، افتقرت للشفافية، وأدى ذلك لتفشي المحسوبية السياسية في التعيينات الإدارية بادارات الجامعات على حساب الكفاءة الأكاديمية والمهنية.
هذا الانفصال المالي للجامعات السودانيّة، جعل وزارة المالية غير مسؤولة مسؤولية كاملة عن الفصل الأول، المرتبات الجامعية، وأصبحت تتعامل معها فقط بنظام “المنحة والدعم” فهي تدعم فقط للفصل الأول ولا تلتزم به، بينما تُركت بنود التسيير والتنمية بالجامعات رهينة لتلك الإيرادات المجنبة بها والتي لا تدخل خزينة الدولة، والتي يضيع بعضها في الحوافز ونثريات السفر والمخصصات القيادية لمديري الجامعات ومسؤوليها بالكليات والمراكز. والنتيجة الكارثية هي تدهور البنية التحتية، وخروج معظم الكليات الطبية من الاعتماد الدولي، وتراجع تصنيف الجامعات السودانية عالمياً، حيث تفتقر القاعات لأبسط المقومات، بينما *تتبدد الإيرادات في هيكل إداري مترهل ومنظومة مالية خارج سيطرة الدولة.
في المقابل، يعيش الأستاذ الجامعي وضعاً مأساوياً بعد أن قُزّم هيكله الراتبي إلى أرقام صادمة لا تتجاوز 140 دولاراً لدرجة “البروفيسور”،وهو مبلغ لا يغطي تكاليف المعيشة أو السكن والترحيل. إن تجاهل وزارة المالية لهذا الاستحقاق في ميزانية 2026، والاكتفاء بدعم هزيل لا يسمن ولا يغني من جوع، يدفع الكفاءات للهجرة القسرية أو الإضراب الشامل، مما يهدد بإفراغ الجامعات من عقولها والاكتفاء بكوادر غير مؤهلة علمياً لإدارة العملية التدريسية.
إن الحل الجذري يتطلب شجاعة سياسية لإعادة هيكلة العلاقة بين الجامعات والمالية، عبر إلزام كافة الجامعات بتوريد إيراداتها للخزينة العامة مقابل ميزانيات تنموية وتشغيلية حقيقية. يجب إخراج الأستاذ الجامعي من ضيق العوز عبر اعتماد هيكل راتبي خاص أسوة بالقضاة، وتوفير بدائل عملية للسكن والترحيل، وضمان أن تذهب أموال “القبول الخاص” لتطوير المعامل والقاعات بدلاً من استنزافها في بنود إدارية غامضة لا تخدم الطالب ولا الأستاذ.
إن استمرار سياسة “الخصخصة المقنعة” وترك الجامعات تواجه مصيرها بقدراتها الذاتية سيؤدي حتماً إلى انهيار التعليم الحكومي تماماً. فإما أن تبسط الدولة سلطتها المالية وتلتزم باستحقاقات الكادر الأكاديمي، أو أن تُعلن رسمياً استقلالية الجامعات مالياً وإدارياً لتدار وفق أسس اقتصادية تنافسية، فالمعادلة الحالية القائمة على “تبديد الإيراد وتجويع الأستاذ”هي وصفة مباشرة لقتل المستقبل الأكاديمي في السودان وتدمير ما تبقى من إرثه التعليمي.
إنّ ضياع حقوق الأستاذ وتبديد الموارد يعني تقديم جيل بلا وعي وسوق عمل بلا كفاءة.
إنّ إنقاذ الجامعات اليوم هو المعركة الحقيقية لاسترداد كرامة الوطن، فالدول التي لا تحترم عقولها ولا تصون أمانة تعليمها، تحكم على مستقبلها بالفناء قبل أن يبدأ

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا