بقلم: السفير/ هاني صلاح – سفير جمهورية مصر العربية لدى جمهورية السودان
لا أظن أن وقت حديث النبي ﷺ عن أهل مصر “أنهم في رباط إلى يوم القيامة” كانت هنالك تلك الحدود الجغرافية التي فصلت شعب وادي النيل شمالاً وجنوباً، ولا أتصور أن نص العهد القديم في الكتاب المقدس “مبارك شعبي مصر” كان يعترف بالحدود بين البلدين، فأهل مصر والسودان تربطهم بحكم الدين قبل الجغرافيا روابط أزلية، لا ينكرها -كما قال شيخنا المبجل محمد متولي الشعراوي- إلا حاسد أو حاقد أو مُستغِل أو مُستغَل أو مدفوع من خصومنا، أو عابث بالثوابت الاجتماعية التي طالما عايشناها في أحلك الأوقات قبل أفرجها.
فعلاقة الشعوب لا تقاس بالزمن بل بالمواقف والتقارب الروحاني الطبيعي الذي يهبه الله لمن يشاء، وإذا أخذنا بفرضية الوقت كعامل منهجي وعلمي لدراسة مدى التقارب بين شعبينا لوجدناه قديم قدم الأرض، فكثيراً ما يقص علينا التاريخ فصولاً عن تجانس الشعوب التي عاشت على ضفاف النيل؛ تترحل كلما زادت قسوة الطبيعة وجفت تربتها، لتجسد طبيعة الإنصهار بين العوائل والقبائل، ومدى التلاحم الذي فاض في شمال الوادي وجنوبه، تأكيداً لقول الذكر الحكيم “وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا”.
وإذا ألقينا نظرة ثاقبة على الطبيعة الديموجرافية للتكوين المجتمعي في كل من مصر والسودان، بعيداً عن غياهب السياسة ودهاليزها، لوجدناها تنبع من ذات الشريان الذي يضخ في عروقنا حباً وعرفاناً لنيلنا العظيم الذي مضت يمينه في الجبال تهيل لترسم لوحة عبقرية تنبري في طياتها أصدق معاني الترابط والتآزر الشعبي، فالمصير المشترك ليست كلمة نتغنى بها للاستهلاك الإعلامي للتعريف بعلاقة شعبي وادي النيل، بل هي حقيقة مرسخة في الوجدان يعيها كل من عايشها وذاق حلاوتها تارة ومرارتها تارة أخرى.
وليس أدل من ذلك التناغم الحضاري والثقافي للتأكيد على متانة التداخل العرقي بين أبناء الوادي منذ فجر التاريخ إلا تلك النقوش الفرعونية لمقابر الملوك من النبتة إلى الكرو والسيدينجا والجداريات التي ترمز إلى الآله آمون في المعابد السودانية القديمة، والتي تبقى شاهدةً على وحدة الخصائص الإنسانية للمجتمعات التي قطنت مناطق جبال النوبة العليا، كما وثّقت العصور الوسطى بعد الفتح الإسلامي امتزاجاً ثقافياً واجتماعياً عميقاً بين شعبي البلدين، حين شكل النوبيون والسكان الأصليون في مصر والسودان جزءً من النسيج الحضاري، وتبادل السكان العادات والتقاليد لتشكيل حضارات متفردة عن باقي شعوب المنطقة، وتوطدت العلاقات التجارية والاقتصادية عبر البحر الأحمر ونهر النيل والحدود البرية المشتركة لتخلق “توازناً استراتيجياً” بمفهومنا الحديث، والذي وصفه د./ جمال حمدان بقوله ” قدماً في الأرض وقدماً في الماء”.
كما أن الأحداث التي مررنا بها في أحقاب التاريخ عززت من أنشودة التآخي المصري-السوداني التي نرددها منذ صبانا، وأبرزت بصدق أن النوايا هي محرك الشعوب، حتى وأن تلطخت في بعض الأوقات زوراً وبهتاناً بغبار الفتنة والتخوين، لأنه كما يقول الشاعر الإيطالي دانتي إليجيري في ملحمته “الكوميديا الإلهية” أن الطريق إلى الجحيم محفوف بالنوايا الطيبة؛ فحتى في أصعب الظروف وأثقلها لم ينس المواطن المصري-السوداني قط جذوره التي نبت منها، بل أدت هذه المحاولات البائسة لكسر ترابطه إلى تقوية عزيمته وصّلدت براثنه لتعطي العالم دروساً في التحمل والجلد ووقوف الأخ بجاور أخيه في وقت المحنة.
وما أكثر المحن التي مرت على شعب وادي النيل، والتي كانت خير شاهد على الترابط العضوي بين شمال الوادي وجنوبه، فعلى أرض فلسطين امتزجت دماء أهل السودان مع إخوانهم من شعب مصر خلال حرب 1948، وعلى ضفاف قناة السويس وعلى أرض سيناء تلاحمت البطولات المشتركة لشعب وادي النيل.
وكما كانت أرض السودات الملجأ والملاذ الآمن للحفاظ على قوام القوات المصرية بعيداً عن استهداف العدو المتربص في ستينيات القرن الماضي، كانت أرض مصر دفئاً وسلاماً على شعب جنوب الوادي في محنته الحالية.
حفظ الله مصر والسودان وبارك شعب وادي النيل وجعله ذخراً لأمته العربية والإسلامية.

