22.8 C
Port Sudan
الخميس, مارس 26, 2026

الدكتور عبد الناصر سلم حامد ..يكتب.. الجيش السوداني انتصر بمعايير الحرب الحديثة لا بشعاراتها


وبذلك، يتضح أن صمود القوات المسلحة لم يكن حدثًا دفاعيًا عابرًا ولا مجرّد قدرة على الاحتمال، بل نتاج عقيدة مرونة عملياتية ممنهجة (Operational and Institutional Resilience) مكّنت المؤسسة العسكرية من تعطيل فرضية الحسم السريع القائمة على مبدأ الانهيار المتزامن لمنظومات القيادة والسيطرة (C2) ومراكز الثقل (Centers of Gravity). لقد فشل الرهان على الضربة القاضية لأن الصدمة الأولى، رغم عنفها واتساعها، لم تنجح في كسر حلقة القرار، ولا في شلّ دورة توليد القوة، ولا في تفكيك التسلسل القيادي بما يفضي إلى الانهيار المؤسسي.

عمليًا، انتقلت الحرب منذ أيامها الأولى من منطق الحسم الخاطف إلى منطق الصراع طويل الأمد، حيث لم تعد الغلبة تُقاس بالتفوّق الناري أو سرعة الاختراق، بل بالقدرة على إدارة الإيقاع العملياتي، وضبط الانتشار، وتأمين الإدامة اللوجستية، والحفاظ على الحد الأدنى الوظيفي للقيادة والسيطرة والاتصالات في بيئة حضرية عالية الاحتكاك. وفي هذا النوع من الحروب، تصبح السيطرة المؤقتة عبئًا إذا لم تُدعَم بقدرة مؤسسية على المسك والإدارة، فيما تتحول المرونة التنظيمية إلى مضاعف قوة يفوق السلاح عددًا وتأثيرًا.

لقد نجح الجيش في إدارة ما يُعرَف عسكريًا بـ “الفشل الأولي” (Initial Failure) دون أن يتحول إلى انهيار شامل، عبر إعادة توزيع القرار، وتفكيك المركزية الصلبة، واعتماد أنماط تشغيل مرنة سمحت باستمرار الوظائف الحرجة حتى في ظل الاستهداف والضغط المتواصل. هذا الانتقال من الصدمة إلى التكيّف، ومن الارتباك إلى الاستمرارية، هو ما حوّل الحرب من اختبار قدرة على التدمير إلى اختبار قدرة على البقاء المنظّم.

وفي الإطار الاستراتيجي الأوسع، لا تُنقَذ الدول بالضربة الأقوى ولا بالإنجاز التكتيكي السريع، بل بالمؤسسة التي تمتلك ذاكرة تنظيمية، وقابلية تعلّم تحت النار، وقدرة على منع الانهيار المؤسسي حتى في أسوأ الظروف. فحين يُحرَم الخصم من تحقيق هدفه المركزي، ويُفرَض عليه شكل الحرب ومدّتها، ويُستنزف خارج شروطه الأصلية، فإن ذلك يُعدّ انتصارًا استراتيجيًا مكتمل الأركان، حتى قبل أي حسم ميداني شامل.

في السودان، تحقّق هذا النوع من الانتصار لأن القوات المسلحة استطاعت تحويل الصمود إلى أداة استراتيجية، والزمن إلى سلاح معاكس، والضغط إلى محفّز لإعادة التشكّل والتكيّف. ومن هذا المنظور، لم يكن بقاء الجيش مجرد منع للهزيمة، بل إحباطًا واعيًا لمشروع السقوط السريع، وإعادة رسم لمسار الحرب على أسس فرضت واقعًا جديدًا. وختامًا، وكسوداني، أعتزّ بأن لنا جيشًا كهذا؛ جيشًا صمد، فتعلّم، فتكيّف، فانتصر بمعايير الحرب الحديثة لا بشعاراتها.

كبير الباحثين ومدير برنامج السودان وشرق أفريقيا – فوكس السويد
باحث أول في إدارة الأزمات

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا