في مشهد يتكرر منذ عقود، عُقدت قمة لجامعة الدول العربية بطلب من السودان، خرجت كما خرجت سابقاتها: بيان إدانة وشجب، مع التأكيد على حق السودان في السلامة والسيادة. بيان لا يختلف في نبرته ولا فاعليته عن البيانات التي تصدرها الأمم المتحدة وهي تُعرب عن “القلق العميق” بينما يسيل الدم ويُدمر الوطن.
يعيش السودان اليوم لحظة فارقة من تاريخه، فبلاد النيلين تُنهكها الحرب، ويمزقها الصراع، والفاعل ليس خافياً على أحد. الجميع يعلم من يدعم قوات الدعم السريع بالسلاح والمرتزقة، ومن يحرك خيوط الفوضى، ومن يضحك من خلف الستار بينما الخرطوم تحترق وأهلها يُقتلون بلا رحمة. ومع ذلك، تظل الجامعة العربية، بكل ما تمثله من مؤسسات وشعارات، عاجزة عن الخروج من عباءة البيانات النمطية التي فقدت الشعوب الثقة بها منذ زمن بعيد.
وليس السودان وحده. القضية الفلسطينية شاهدة على التاريخ الطويل من العجز، حيث الذبح والتنكيل والاحتلال مستمر منذ أكثر من سبعة عقود، ولم نجاوز يوماً حدود الإدانة أو “القلق العميق”. فما الذي ننتظره من مؤسسات لم تعد قادرة حتى على التلويح بالعقوبات أو كشف المعتدين؟ هل أصبحت الجامعة العربية مجرد منصة صوتية، تواسي الدول المنكوبة بعبارات منمقة لا تسمن ولا تغني من جوع؟
ما يزيد الألم أن دولة صغيرة مثل الإمارات، أصبحت لاعباً رئيسياً في تصدير الفوضى، تتدخل في شؤون الدول العربية، وتمول النزاعات المسلحة، دون أن تطالها أي محاسبة أو عقوبة. من أمن العقوبة أساء الأدب، فكيف إذا لم تكن هناك عقوبة أصلاً؟ وهكذا، لم تعد المسألة مسألة تدخل، بل تطاول يتجاوز حدود اللياقة السياسية.
خطوة مجلس الأمن والدفاع السوداني بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات كانت متأخرة، لكنها صحيحة وضرورية. فالمعادلة تغيرت، والسكوت صار مشاركة في الجريمة. والسودانيون اليوم مطالبون بأن يحملوا قضيتهم بأنفسهم، وأن لا يعولوا على بيانات الشجب والإدانة، وأن يستعدوا لمعركة وطنية للدفاع عن الأرض والعرض.
القادم من القمم العربية في بغداد، سواء كانت سياسية أو اقتصادية، لا يبشر بجديد. السفير عماد عدوي أكد أن السودان سيطرح رؤيته في ملفات الإعمار والتكامل العربي، وهذا جهد دبلوماسي مهم، لكن دون موقف حازم من الدول العربية تجاه المعتدين، ستبقى تلك الرؤى رهينة الأدراج.
نحن لا نرفض العمل العربي المشترك، بل نطالب أن يكون فاعلاً. نطالب أن تتحول الجامعة العربية من نمر من ورق إلى مؤسسة تملك القدرة على فرض إرادتها. نطالبها أن تتجاوز التصريحات إلى الأفعال، وأن تتحمل مسؤولياتها تجاه شعوبها.
البيانات لا تُعيد وطناً، ولا تُوقف حرباً، ولا تردع معتدياً. وحدها المواقف الجريئة تفعل. وعلى السودان أن يعي جيداً أن مصيره لا تحدده قاعة اجتماعات، بل وعي شعبه، ووحدة صفه، واستعداده للدفاع عن قضيته.
السودان لا ينتظر من الجامعة العربية بياناً جديداً، بل موقفاً لم يُكتب بعد.
ولن نرهن وطننا علي بيانات فارغة وجيشنا يدير اعظم معركة وحتما ننتصر.

