بعد ان نزحت من منطقة الصراع المسلح في مدينتي الحبيبة مسقط راسي..ومرتع طفولتي وشبابي ..وحافظة اثر خطوات نضجي الفكري والمعرفي،،،،،،،عدت إليها بعد صراع
مرير مع النزوح اكثر فتكا بالارواح من صراع الحرب المسلح
عدت الي داري لان اهل الدار فقدوا بوصلة الاتجاهات بعد خروجهم منها..فكان من البر بهم ان اعيدهم لديارهم مهما
كلفني الامر من مشقة وضغوطات نفسية..وخوف وهواجس
من المجهول!!!
عدت باهل الدار الى حيطانهم التى حفظت اسرارهم واسرتهم
التى حفظت نومهم ورقادهم…تقلبهم وسهادهم…عدت بهم الى ظل اشجارهم وخيال جيرانهم…ذكريات صياح وضجيج
احفادهم…وهم يمنون النفس بدخول هؤلا الاحبة الذين فرقتهم الحرب منهم..عائدون غدا القريب!!!
عدت بهم وراسي مثقل بالافكار للحد الذي يجعلني لا استطيع حمله فوق جسدي…واكتافي مهدودة من كثرة الحِمل
عدت بهم وتحديات هذه العودة تفوق مقدراتي وتركيبتي النفسية..ولكن لا املك خيار اخر!!!
عندما ظهرت من بعيد ملامح مدينتي الملهمة سرت الدماء الى شرايني وعادت روحي لي بعد ان عشت نازحة جسد بلاروح ففي ذلك اليوم المشؤم رحلت جسدا عن دياري وتركت روحي فيها..
عدت بعد معاناة في الحل والترحال…عدت الى الديار وقبلت
ذا الجدار وذا الجدار حبا وفرحا وإنتصار…نعم إنتصار على
خوفي وتجربتي المعدومة على الصعاب…وهاانا انتصر على الصعاب واقطع مسافة محفوفة بالمخاطر معي ابي شيخ كبير
وامي المثقلة بالهموم وطفل وصبية ،،،،
وعندما وصلت الى دياري وجدت ان ملامح تلك المدينة الجميلة باهلها قد شحبت واصابها الكبر وهي
التي كانت تنضح بالشباب…كيف لا وهي مدينة عُرفت بالحيوية والحياة السهلة وتوفر سبل العيش لانسانها البسيط
فهي مدينة تقع في وسط مشروع زراعي ضخم وبالتالي يعتمد إقتصادها على الزراعة والتجارة…
وقد انتعشت اكثر فاكثر في بدايات اندلاع الحرب في الخرطوم!!!!
حيث رحل اليها الثقل الاقتصادي والاستثمار من الخرطوم وكان من الممكن ان تصبح المدينة الثانية في السودان او العاصمة الاقتصادية..
ولكن لم يدم ذلك طويلا فقد اصابتها عدوة الحرب وفقدت كل شي حتى ذلك الهواء العليل الممزوج بنسيم النيل اصبح كله بارود!!!
كانت معظم البيوت الجميلة والتى تشبه القصور خالية من اهلها..بل حتى العمران الذي كان تحت التشيد مواد البناء من رمل وحصى واسمنت مبعثرة دون رقيب فقد فر اهلها من الحرب…بل حتى ابار مياه الشرب الارتوازية في كثير من المناطق معطلة .. والكهرباء تتارجح مابين محاولات ومجهودات باستمرار لإعادتها.
كانت الشوارع المكتظة بالعربات لدرجة الاختناق خالية وكأنما
كانت تلك العربات العاب سرعان ماتم جمعها في صندوق الالعاب !!!
كانت الطرقات التى تزدحم بالمارة والباعة المتجولون للحد الذي يصعب معه السير خالية وكأنما كان ذلك كمبارس في مدينة انتاج سينمائي!!!
وقفت أتامل ذلك الصرح التعليمي المميز في تلك المدينة(الاوائل) وهو خالي وقد كنت بالامس جزء منه…اصابني الوجع وانا اتذكر كيف كان طلابي فيه يملؤن الكون ضجيج وتحديات بالتفوق وإلهام لكل اقرانهم بالنجاح.
حتى،،،،،،
ذلك الشارع الذي كان يرقص فرحا باصوات الاغاني من مكبرات الصوت داخل الكافيهات والجلسات وبائعات الشاي على رصيف النيل…اصبح صامد ولا حركة فيه غير حفيف
الاشجار الخالدة على طوله.
اين اهل ام المدائن؟؟
اين سكانها؟؟؟
اين تلك الاسر الخالدة في الاحياء العريقة؟؟
اين السياسين حفدت احمد خير المحامي؟؟
اين المعلمين حفدت السماني احمد موسى ومحمد محي الدين
وعمر السنوسني واخرين؟؟
اين الفنانين حفدت الكاشف ووداللمين؟؟
اين الشعراء حفدت المساح والقدال؟؟
اين الرياضين حفدت سانتو وحموري؟؟
اين العركيين والمكاشفية حفدت اهل الطريق؟؟
اين المصليين في الجامع الكبير حفدت صديق احمد حمدون؟؟
لابد انهم عائدون لانهم لايتحملون فراقها ولايستطيعون العيش بعيدا عنها…بل لايستطيعون ان
يتنفسوا هواء غير هواء نيلها المعبق تارة برائحة السمك..وتارة
برائحة بخور الضرايح..وتارة اخرى بعطر انسانها الانيق الاخلاق والبسيط الملامح والطباع..نعم لابد انهم عائدون غدا القريب!!!

