منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تحوّل المشهد السياسي والعسكري إلى صراع يهدد وحدة السودان ويعيد إلى الواجهة مخاوف التفكك الاجتماعي والقبلي. فعلى الرغم من أن الرواية السائدة تتحدث عن مواجهات ذات طابع قبلي بين الجعليين، الدناقلة، الشايقية، والرزيقات بفروعها المختلفة كالمسيرية والمهارية، إلا أن جذور هذه الحرب تمتد إلى أبعد من مجرد خلافات قبلية.
حرب السلطة وليست القبيلة
الحرب في السودان لم تنطلق بدوافع قبلية بحتة، بل جاءت نتيجة صراع على السلطة والنفوذ. محمد حمدان دقلو “حميدتي”، قائد قوات الدعم السريع، سعى للهيمنة على المشهد السياسي مستندًا إلى دعم خارجي وتواطؤ داخلي من أطراف سياسية مثل قوى الحرية والتغيير (قحت) وحكومة عبد الله حمدوك السابقة. هذه الحرب لم تكن خيارًا شعبويًا أو قبليًا، بل صراعًا سياسيًا تستخدم فيه الهوية القبلية كأداة لإشعال مزيد من التوترات.
السودان والتاريخ الوحدوي
على مر التاريخ، لم يكن السودان ساحة لصراعات داخلية قائمة على أساس قبلي محض. بل ظل النسيج الاجتماعي متماسكًا رغم التحديات الكبرى. فمن الثورة المهدية التي وحدت السودانيين ضد الاستعمار، إلى ثورة اللواء الأبيض التي نادت باستقلال البلاد، ظل الشعب السوداني يقاتل من أجل قضية واحدة: “السودان للسودانيين”.
لكن رغم هذا التاريخ الوحدوي، زرعت بعض السياسات الاستعمارية بذور الفتنة، مثل سياسة “المناطق المقفولة” في جنوب السودان، التي أسهمت لاحقًا في خلق حالة من العزلة والانفصال. واليوم، تُستخدم ذات الأدوات لإذكاء نيران الحرب الحالية، حيث يتم تسويق الصراع وكأنه مواجهة بين مكونات المجتمع، بينما هو في الحقيقة صراع بين نخب سياسية وعسكرية تسعى لترسيخ نفوذها.
مخاطر تفكك النسيج الاجتماعي
الحرب الحالية لا تهدد فقط الاستقرار السياسي، بل تضرب في عمق النسيج الاجتماعي. إذ تؤدي إلى تأجيج الكراهية بين المكونات السودانية، وخلق حالة من الشك والفرقة بين القبائل والمناطق. ومع استمرار النزاع، يزداد الاستقطاب، مما يجعل المصالحة الوطنية أكثر تعقيدًا.
إذا لم تتوقف الحرب قريبًا، فإن السودان قد يواجه مصيرًا مشابهًا لدول انهارت بسبب الحروب الداخلية، حيث يصبح التمزق الاجتماعي أكثر خطرًا من الصراع العسكري نفسه.
السودان يحتاج إلى مشروع وطني جديد
الحل الوحيد للخروج من هذه الأزمة هو إعادة بناء مشروع وطني سوداني يقوم على المواطنة والعدالة، بعيدًا عن الانتماءات القبلية والولاءات السياسية الضيقة. يجب أن يكون هناك حوار شامل بين القوى الوطنية الحقيقية، دون تدخلات خارجية، ودون تسويات ترضي النخب الفاسدة على حساب الشعب.
ختامًا، السودان ليس بلدًا للقبائل، بل هو وطن لجميع السودانيين. وإن لم يتحد السودانيون ضد الحرب ومخططاتها، فإن الخطر الحقيقي لن يكون في من يحكم، بل في انهيار ما تبقى من السودان الواحد. وتجربة روندا ليست بعيدة من الاذهان والتعايش من اجل السودان لبناء وطن بعيدا من الجهوية والقبلية والسودان يسع الجميع.

