من قلب الجزيرة، أرض المحنة والعطاء، ينبض السودان المصغر بكل تنوعه، بعيدًا عن الجهوية والقبلية، حيث يجتمع الطيف الإنساني في نسيج متماسك من المحبة والإبداع. الجزيرة، بمشروعها العريق، تحتضن النيلين الأبيض والأزرق، وتمنح الأرض الطيبة لوز القطن الأبيض، تعبيرًا عن نقاء إنسانها وصفاء سريرته.
مشروع الجزيرة، الذي كان يومًا صرحًا اقتصاديًا شامخًا، يمد خزينة الدولة بإنتاج وفير، ويؤمّن السودان غذائيًا، ويوفر فرصًا اقتصادية هائلة، بات ضحية الإهمال المتراكم من الحكومات المتعاقبة. تعثر المشروع، وأصيب بالوهن، حتى جاءت الحرب لتغرس خنجرها في خاصرة الوطن، حيث تعرض لأكبر عملية نهب وسرقة بعد اجتياح مليشيات الدعم السريع لولاية الجزيرة، ناشرين فيها الفساد والخراب. ولم يتوقف الدمار عند هذا الحد، بل امتد ليطال المصانع والشركات والبنية التحتية، ليترك الجزيرة في حالة من الخراب غير المسبوق.
واليوم، مع انحسار الحرب وتحرير الجزيرة، تقف أمامنا المعركة الأهم والأصعب: معركة الإعمار. إنها مرحلة تتطلب تضافر الجهود، ليس فقط لإعادة بناء المشروع، بل لتطوير البنية التحتية، وخلق فرص عمل للشباب، وتعزيز القدرات الاقتصادية عبر زيادة الإنتاج وإطلاق المشاريع التنموية الكبرى.
إنسان الجزيرة، بتكوينه الفريد وسجيته الطيبة، هو المحور الأساسي لنهضة الإقليم وإعادة بنائه. لذا، لا بد من الاستثمار في تأهيله، وتنمية وعيه الوطني، وتحفيزه للارتقاء بالجزيرة ومشروعها الحيوي، مستفيدين من الإمكانيات الهائلة التي تكتنزها هذه الأرض، ظاهرها وباطنها.
مرفأ كلماتي يغازل الجزيرة، عشقًا وانتماءً، متمنيًا لها نهوضًا سريعًا من تحت رماد الحرب، وتوحيد صفوف أبنائها، وتجاوز جراحها بوعي وإرادة صلبة. فالجزيرة ليست مجرد بقعة جغرافية، بل قلب السودان ومخزونه الاستراتيجي، الذي يجب أن ينبض بالحياة من جديد، ليعود كما كان منارةً للعطاء والنماء.

