28.8 C
Port Sudan
الإثنين, أكتوبر 5, 2026

إسحق الخليفة شريف… آخر الموسوعيين المنسيين في السودان

في تاريخ السودان رجالٌ حملوا السيف، وآخرون حملوا القلم. وكان إسحاق محمد الخليفة شريف (1923–1993) من أولئك النادرين الذين جمعوا بين إرث الثورة المهدية وعمق الفلسفة الأوروبية، وبين التصوف الإسلامي والثقافة العالمية، حتى وصفه معاصروه بأنه «موسوعة تمشي على قدمين».

ينتمي إسحاق إلى بيت الخليفة محمد شريف، الخليفة الرابع للإمام المهدي، ووالدته هي السيدة مريم بنت الامام المهدي. ولد في أم درمان عام 1923 وسط أسرة جمعت العلم والزعامة. تلقى تعليمه في مدرسة الأحفاد ثم كلية فكتوريا بالإسكندرية، قبل أن يواصل دراسته للفلسفة في أوروبا، ويتخصص في الفنون الجميلة واللغات الشرقية، متقناً الإنجليزية والفرنسية والاوردية والسواحلية والفارسية وغيرها ويترجمها ترجمة مباشرة للشيخ ابن باز والشيخ الحريكان، ومطلعاً على الإيطالية واليونانية والألمانية.

لم يكن بيته في العباسية منزلاً عادياً، بل كان صالوناً ثقافياً يؤمه الأدباء والشعراء والفنانون والعلماء. وهناك استضاف المستشرق الفرنسي الشهير جاك بيرك، وجمع حوله نخبة مثقفي السودان في واحدة من أشهر المنتديات الفكرية بأم درمان.

كتب عنه الأستاذ محمود أبو العزائم في كتابه كنت قريباً منهم:

«أمره عجيب… لا أعتقد أنه كذب في حياته. مكتبته الضخمة قرأها كلها، وله رأي في كل ما قرأ. إذا تحدث في الدين حسبته من علماء الأزهر، وإذا ناقش الفلسفة ظننته أستاذاً جامعياً، فهو موسوعة علمية وأدبية ودينية تمشي على قدمين.»

كان شاعراً يكتب بالعربية والإنجليزية والفرنسية، ورسّاماً ينتمي إلى مدارس فنية متعددة، ويحفظ دواوين الشعر العربي كما يحفظ الشعر العالمي، ويستشهد بالقرآن والحديث وأقوال الفلاسفة في حديث واحد دون تكلف.

مثلما حدث مع أشعاره وترجماته، عانت لوحاته وأعماله التشكيلية من غياب التوثيق الرسمي والمعارض التجارية الواسعة. ومع ذلك، يتذكره جيل الرواد من التشكيليين السودانيين كمثقف موسوعي استثنائي ربط بين ريشة الفنان، وقلم المترجم، وقصيدة الشاعر الحداثي. كان زاهدا في المناصب متواضعا برغم علاقاته برموز عالمية في تلك الفترة.
تميزت تجربته التشكيلية بالمزج بين الثقافة البصرية السودانية المحلية وبين مدارس الحداثة والتجريد الغربية التي تشربها في فرنسا. واعتبره النقاد واحداً من أوائل السودانيين الذين نقلوا الفن التجريدي والمفاهيمي الأوروبي إلى الساحة الفنية السودانية.

ورغم ابتعاده عن الصراع الحزبي، لعب دوراً وطنياً هادئاً؛ ففي يوليو 1966 احتضن منزله لقاءً جمع الإمام الصادق المهدي والشيخ محمد أحمد المرضي سعياً لتقريب وجهات النظر بين القوى السياسية. وبعد معارضته لنظام جعفر نميري اغترب إلى السعودية، حيث عمل في رابطة العالم الإسلامي (1973-1985) وقدم لها الكثير منها ترجمة القرآن الكريم الى اللغة الإنجليزية قبل أن يعود إلى السودان بعد الانتفاضة.

ومن أكثر القصص إدهاشاً في سيرته حادثة حرائق قرية التبيب عام 1965، حين شغلت الحرائق الغامضة الرأي العام السوداني. استُدعي إسحاق ضمن وفد من الجمعية التأسيسية وجامعة الخرطوم، بينما كان الناس يظنون أن الجن وراء الكارثة. لكنه لاحظ أن جميع الحرائق تشتعل في الجهة الجنوبية للقرية، وأن أداة إشعالها كانت نبلة معدنية تحمل آثار الرماد. وبمنطقه وتحليله كشف أن الفاعل إنسانٌ من أهل القرية، لا قوة غيبية، لتنتهي واحدة من أشهر القضايا التي حيّرت السودان آنذاك.

كان شديد التواضع، كريماً بكتبه، لا يؤمن بحبس المعرفة؛ يعير أندر المراجع دون أن يطالب أصحابها بإعادتها، مخالفاً المقولة الساخرة: «أحمقان… معيرُ كتابٍ ومعيده».

رحل إسحاق الخليفة شريف عام 1993، لكن إرثه امتد في أسرته، ومن أبرزهم ابنته الدكتورة سليمة إسحاق الخليفة شريف، الطبيبة النفسية والوزيرة السودانية المعروفة بعملها في حماية المرأة والطفل.

ما كتبناه هنا يشكل أقل من نقطة في بحر السيد اسحق محمد الخليفة شريف. أترك لكم الباب مفتوحا للحديث عن علمه ومناقبه العميمة لتستفيد منها الأجيال.

لقد أنجبت المهدية فرساناً حرروا الوطن، وأنجبت أيضاً رجالاً مثل إسحاق الخليفة شريف، جعلوا من المعرفة وطناً آخر يستحق أن يُصان.

برأيك، لماذا غاب اسم إسحاق الخليفة شريف عن المناهج والذاكرة العامة، رغم أنه كان أحد أعظم مثقفي السودان في القرن العشرين؟

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا