28.2 C
Port Sudan
الأربعاء, سبتمبر 30, 2026

إعادة بناء الوطن.. بين رحابة الإسلام المعتدل وطٌهرانية التدين الزائف..بقلم..عبدالكريم عيسى عبدالكريم المحامي

لقد ظلت خطوات تواصل وإتصال المؤتمر الشعبي بالقوى المدنية منذ الإتفاق الإطاري الذي كان سابقاً للحرب وحتي لقاءات القوى المدنية صمود في أديس أبابا و واشنطن تثير حفيظة بعض زوي الهوس الديني وليس التدين الصحيح علي ما بين الهوس وصحة التدين من بون شايع ومدى بعيد ، وترتفع علي إثرها عقيرة المتفيقيهين إعتراضاً علي سلوك الفقهاء ، علي ما بين التفيقه والفقه كذلك من إنفصام وإعتزال في دين الله وواقع حياة الناس .
لذلك تأتي هذه المقالة محاولة لإبانة معالم المنهج الذي يتكئ عليه المؤتمر الشعبي وقسمات المبادئ التي يعمل وفقها ، والغايات التي يسعى لتحقيقها من وراء ذلك .
يشخص عنوان المقالة إعادة بناء الوطن بين رحابة الإسلام المعتدل وطهرانية التدين الزائف بل و يرسم خطوطاً مائزة بين رؤية الشعبي التي تمثل الإسلام المعتدل بسماحتة وإنفتاحة و وأصالته ومعاصرته وسعيه لإستيعاب كافة أبناء الوطن في مشروع إعادة بنائه ، وبين رؤية أصحاب التدين الزائف والطهر المغشوش التي تجعل من الإسلام ديناً سالباً لارادة الإنسان وهو الذي رفع لواء تحريرها ، ومنتهكاً لكرامة الإنسان وهو الذي أعلا من شأنها ، وهادماً للأوطان وهو الذي وضع قواعد بنائها .
يرى بعض أصحاب العقول المهوسة والتدين الكاذب ممن أشرنا لهم آنفاً أنه لا يجوز التحدث مع القوى السياسية العلمانية أو إستصحابها_ والإستصحاب مصدراً من مصادر التشريع كما يقول أهل الأصول _في مشروع بناء الوطن وذلك لأنها تطالب بفصل الدين عن الدولة كنتيجة لتجربة المؤتمر الوطني الكالحة وتدينهم الكذوب الذي لم يردعهم عن أرتكاب الموبقات في أعظم المواسم تعبداً كشهر رمضان ، أو إنتهاك حرمة أكثر المخلوقات حرمة وهو الإنسان ، ولذلك نود أن نبسط القول فصلاً في هذه المسألة إعتماداً علي منهج الإسلام وليس احزابه وهدي رسوله صلعم وليس اقول بعض المتعَالمين من المنتسبين الي سنته علي نحو ما سنبينه أدناه :
أولاً : قامت وثيقة المدينة المنورة وهي أول مشروع تأسيسي لدولة الإسلام علي التعاقد الإرادي الحر بين مكونات المدينة الإجتماعية من العرب المسلمين واليهود الوافدين من اليمن وغيرها وبعض النصاري واضعة بذلك قاعدة هامة وهي أن بناء الدول يقوم علي قاعدة المواطنة المستوعبة لتعدد الأديان والثقافات وليس وحدة الدين المستأصلة للمخالفين لها إعتقاداً أو فكراً أو ثقافة كما هو شأن التجربة الأوروبية البائسة التي أثمرت فرقانا كبيراً وهجراناً دائماً بين الإنسان والدين ، وعليه فإن للقوي السياسية علمانية كانت أو إسلامية الحق في التحدث والمشاركة في بناء الوطن و إصلاح سيرته
ثانياً : يقرر الله سبحانه خالق الإنسان ومنّزل الأديان أنه يجوز لإنسان للمؤمن أن يتلفظ بكلمة الكفر لساناً وهو يطمئن بها قلباً في سبيل المحافظة علي حياته كما جاء في سورة النحل الأية 106 (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) وهو ما قرر عليه علماء الأصول بجواز الشرب من الخمر لمن غص في حلقه حتي لا يموت ، وجواز أكل الميته وغيرها لمن أشرف علي الهلاك حتي لا يموت ، فإن كان ذلك جائزاً في سبيل المحافظة علي روح الفرد فمابالك بالآلاف من الأفراد الذين أزهقت الحرب أرواحهم وشردت قاطنهم وهدمت آمالهم وضيعت مدخراتهم وكما قال حبر الأمة إبن عباس رضي الله عنه في مناظرته مع الخوارج أيجوز التحكيم في بضع أمراة ولا يجوز في حق الأمة حقنا لدماء أبنائها ، وللخوارج أجيال متاعقبة في تاريخ الأمة كما ترى .
ثالثاً : مما حملته كتب التاريخ من مواقف معبره عن عمق المعرفة واصالة الفهم موقف الإمام أحمد بن حنبل حينما حاججه المخالفين له في الموقف من السلطان الجائر من أنه لا يجد في كتاب الله أو سنة رسوله (صلعم ) ما يدعو للخروج عليه وقتاله فقال ما يحمله علي مخالفتهم ليس،غياب الدليل ولا قصور المستدل ، ولكنه إعمال فقه الموازنات بين الحسنات والسيئات حيث وجد أن سيئة الصبر علي الطغيان خير من حسنة إرتكاب المجازر وإنتهاك الحرمات وإهلاك الحرث والنسل وغيرها من ضروب الفساد الذي لا يحبه الله خروجاً عليه ، ونحن علي إثره نقول أن الجلوس والتفاهم مع أبناء الوطن بكافة مشاربهم و منطلقاتهم و الصبر علي ذلك حتي تقضي الانتخابات الحره القادمة وبرلمانها التأسيسي علي كل القضايا الخلافية بأمر الشعب الحر الواعي ، أهون من كلفة الحرب المدمرة هذه .
رابعا : إن نهج الحركة الإسلامية عبر تمظهراتها التاريخية وصيرورتها الفكرية والسياسية أنها لم تضع من قاعدة الإختلاف في الدين أو الفكر او التوجه مانعا من التحاور والتشاور والاتفاق مع الحركات والأحزاب العلمانية القحة كالحركة الشعبية بقيادة جون قرنق أو الحزب الشيوعي بزعامة محمد إبراهيم نقد وصديق يوسف ، بل إن إتفاقية نيفاشا المشمؤمة حوت باباً كاملاً يتحدث عن علمانية العاصمة القومية فليتهم يتذكرون أو يتفكرون .
خامساً : لقد قال شيخ الحركة الإسلامية وعراب الفقه الدستوري في السودان الشيخ الترابي رحمه الله وأحسن إليه ، في ندوة مشهودة محشودة بجامعة النيلين في العام 2006 م أن غالبية الشعب السوداني إذا إنتخبت علمانياً لحكم البلاد سيكون اول المبايعين له ، فأين هو من أقوال المتفيقهين والمتعالمين من شارحي أبواب الحيض والنفاس علي أهميتها وسوء تعبيرهم عنها وفهمهم لها .
سادساً : إن عبر التاريخ الماثلة للعيان وحقائقه الواضحة لكل زي عقل وبيان أن الإسلام الذي وأده صولجان العسكر وأبعده عن الحياة في تركيا مثلاً أعادته للحكم و توجيهه الحياة مره أخرى قواعد الديمقراطية التي تحترم إرادة الأغلبية وصدق التوجه وإعتدال السلوك وطهر اليد واللسان ، وأن الإسلام الذي حملته للحكم أبوات وابواق العسكر (وبين أبوات وأبواق جناس غير تام ) في السودان إذا بالشعب يهب ليسقط نظامه السياسي بثوره شعبية بسبب التدين المغشوش لأصحابه والتنكر الكبير منهم لأحكامه والإدبار الصريح عن مقاصده و غاياته ومنها حفظ الأوطان وصون حرمة الإنسان وحماية الحقوق و رعاية الحريات والمساواة بين أبناء الوطن علي قاعدة المواطنة وليس الموالاة ، فهل يعتبر المهاويس أو يروعوي أصحاب التدين الكذوب .
سابعاً : إن أولئك الرافضة الجدد لنهج الشعبي القويم يريدون أن يجعلوا من الإسلام سبباً لتمزيق الأوطان بدل بنائها وسبباً لإشعال الحروب بدل إطفائها وعاملاً مباشراً لهتك الكرامة عوضاً عن صونها ، وهم بذلك يجعلون من الإسلام ديناً يتناقض مع فطرة الإنسان ومسلمات الفكر وقواعد العيش الكريم
ثامناً : الباحث عن أصحاب العقيرة المدوية والتدين الكذوب يجدهم يتخذون من الدول العلمانية الغربية ملاذاً آمناً يتفيئون ظلاله ويتمتعون بخيراته وما كان لهم أن يجدوا ذلك لولا أن الديمقراطية العلمانية الغربية قد أعلت من قيمة الإنسان و صانت الحقوق الأساسية والحريات السياسية ، وجعلت من الإستقرار السياسي قرين النماء الإقتصادي والرفاه الإجتماعي بل أصبحت ملاذاً لكل من ضاق به وطنه تحت نير الهوس والإدعاء ، وفي مثلهم قال الإمام الشافعي :
زواملٌ لأسفارِلا علم عندهم بجيدها @ إلا كعلم الإباعرِ .
لعمري هو حالهم مع تراث الإسلام الوافر واجتهاد الحركة الإسلامية المعاصر العميق .
تاسعا ً : لقد ذكر الشيخ راشد الغنوشي وهو من شيوخ الإسلام المعاصرين وقادته المجتهدين في مشروع أسلمة الحياة وديننة العلوم في كتابة الحريات العامة في الدولة الإسلامية أن وحدة الأوطان مقدمة علي وحدة الأديان وهو ما أكده المحبوب عبدالسلام في عدة حوارات حينما اوصاه الشيخ للمفاوضين في نيفاشا أنهم إذا خيرو بين الإسلام ووحدة السودان فعليهم بالثانية فأين أصحاب اللحى الصفراء والعمائم السلطانية والمحفظات الغارونية والفتاوي الهامانية من موقف الشيخ راشد الذي لم نسمع له عائبا من كبار علماء الأمة الصالحين العاملين بعلمهم المخلصين لدينهم وأوطانهم .
عاشراً : إن العلماء الذين لا يكترثون للدماء المراقة والحقوق المنتهكة والأوطان الممزقة المنهاره لا يستحقون لقب العلم ولا وقار أصحابه وانه لايضر سحائب الشعبي الهطول نبيح الكلاب الضالة كما قال إبن زيدون ، ولا فعل المتساقطين تساقط الذباب علي الشراب في موائد الطغاه من العسكر ومن حالفهم ، ولا غضب المتهافتين تهافت الفراش علي الشهاب في موائد الملك العضوض قديمه والجديد .

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا