31.3 C
Port Sudan
الجمعة, سبتمبر 4, 2026

عندما يتحدث غير المتخصص في الاقتصاد… يدفع المواطن الفاتورة!.. بقلم البروفيسور محجوب هجّانة

عندما يتحدث غير المتخصص في الاقتصاد… يدفع المواطن الفاتورة!

بقلم: البروفيسور محجوب هجّانة
الخبير الاقتصادي والمتخصص في الاقتصاد القياسي والاقتصاد الكلي، والباحث في الشؤون الاقتصادية

في ظل الحرب على الاقتصاد… من يحمي المواطن من اقتصاد الخوف؟

في الحرب السودانية، لا تأتي الضربة من الرصاص وحده؛ فهناك حرب أخرى تضرب المواطن كل يوم: ارتفاع الأسعار، تآكل المدخرات، انخفاض القوة الشرائية، اضطراب الأسواق، والخوف من الغد. الرصاصة قد تصيب الجسد مرة، أما التضخم فيستنزف المواطن كل يوم.

الحرب عطّلت الإنتاج، وأربكت سلاسل الإمداد، وضغطت على المالية العامة وسوق الصرف، وأضعفت القدرة على التخطيط الاقتصادي. لكن الأخطر أن الحرب خلقت بيئة شديدة الحساسية للخوف والشائعات والتوقعات، وهنا تبدأ الحرب على الاقتصاد والثقة.

إضعاف الثقة في الدولة ومؤسساتها، وتشويه سمعة الحكومة ورئيس مجلس السيادة والقيادات والمؤسسات عبر اتهامات أو أرقام غير موثقة، لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد سجال سياسي. فالاقتصاد يتأثر بالثقة؛ وعندما تتراجع الثقة، ترتفع المخاطر، ويتردد المستثمر، ويبحث المواطن عن ملاذات أكثر أمانًا، وتزداد المضاربة والضغوط على الأسواق والقائمة تطول، لكن القاعدة الاقتصادية واضحة: المعلومة غير الموثقة قد تتحول إلى وقود للخوف، والخوف قد يتحول إلى سلوك اقتصادي، والسلوك قد يتحول إلى أزمة يدفع المواطن ثمنها.

ليس الخطأ أن يتحدث غير المتخصص في الاقتصاد؛ فالاقتصاد شأن يمس حياة الجميع. الخطورة تبدأ عندما يتحول الرأي غير المتخصص إلى تحليل، والتخمين إلى معلومة، والمعلومة غير الموثقة إلى أساس لاتخاذ القرار.

فالاقتصاد علم واسع ومتخصص؛ من الاقتصاد الكلي والجزئي، والاقتصاد القياسي والنقدي والمالي، إلى اقتصاد التنمية والتجارة الدولية والاقتصاد الزراعي والمؤسسي وغيرها. ولكل فرع أدواته وأسئلته ونماذجه.

وبصفتي متخصصًا في الاقتصاد القياسي، أقولها بوضوح: الارتباط ليس سببية. تحرك متغيرين معًا لا يعني بالضرورة أن أحدهما تسبب في الآخر. ومن يبني استنتاجات كبرى على علاقات سطحية قد يصنع تفسيرًا خاطئًا، ثم يتحول الخطأ إلى قناعة، والقناعة إلى سلوك، والسلوك إلى تكلفة اقتصادية.

وفي زمن الحرب، تصبح الأرقام والكلمات مسؤولية. من أين جاء الرقم؟ ما مصدره؟ ما منهج حسابه؟ وما الفترة التي يغطيها؟ رقم بلا مصدر ليس دليلًا، وتحليل بلا منهج ليس علمًا، واتهام بلا إثبات ليس حقيقة.

وإلى الزملاء الاقتصاديين وعمداء الجامعات وأساتذة الاقتصاد: هذه ليست لحظة للصمت. السودان يحتاج إلى صوت اقتصادي علمي يشرح ويحلل ويحذر ويصحح، لا إلى معرفة تبقى حبيسة قاعات المحاضرات. إذا صمت أهل الاختصاص، فمن يملأ الفراغ؟ وإذا تُركت الساحة للأصوات غير المتخصصة، فمن يدفع الثمن؟

لا نريد اقتصاديًا يصفق للحكومة، ولا اقتصاديًا يهاجمها بلا دليل. نريد اقتصاديًا يقول الحقيقة؛ ينتقد الخطأ بالبيانات، ويدعم الإصلاح بالدليل، ويواجه التضليل بالمنهج.

لقد دفع المواطن السوداني ثمن الحرب من دمه وماله ومستقبله، وليس من العدل أن يدفع فاتورة أخرى بسبب الفوضى الاقتصادية أو التضليل أو صمت أهل الاختصاص.

يقول البروفيسور محجوب هجّانة: «السؤال الأخطر: هل تنتهي الحرب، ويبقى الاقتصاد أسيرًا للتضليل وتشويه الثقة؟ القذيفة تهدم مبنى، لكن انهيار الثقة يهدم اقتصادًا كاملًا. فإذا خسرنا الاقتصاد، فقد نخسر ما تبقى من الوطن.» حفظه الله السودان واقتصاده.

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا