30 C
Port Sudan
السبت, يونيو 20, 2026

الخبير الاقتصادي حاتم حسن احمد..يكتب.. الهدي السوداني..لماذا تراجع الصادر رغم الميزة النسبية الهائلة؟


يمتلك السودان واحداً من أكبر القطاعات الحيوانية في العالمين العربي والأفريقي، بثروة تقدر بعشرات الملايين من رؤوس الضأن والأبقار والإبل، إلى جانب مراعي طبيعية واسعة وأعشاب غنية تمنح الماشية السودانية جودة عالية وميزة تنافسية يصعب تكرارها في كثير من الدول. كما يتمتع السودان بميزة جغرافية استثنائية تتمثل في قرب المسافة البحرية بين ميناء سواكن وميناء جدة، وهي ميزة كان يفترض أن تجعل السودان المصدر الأول للهدي والأضاحي إلى المملكة العربية السعودية، خاصة خلال موسم الحج.
ورغم هذه المقومات الضخمة، تراجع صادر الهدي السوداني بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة، في وقت تتزايد فيه الحاجة الإقليمية للحوم والأضاحي، ويتنامى الطلب الخليجي على الضأن السوداني المعروف بجودته العالية. هذا التراجع لم يكن مجرد خسارة تجارية عابرة، بل أصبح نزيفاً اقتصادياً حقيقياً حرم السودان من مورد مهم للنقد الأجنبي، وأفقد آلاف الأسر الريفية دخلاً موسمياً كانت تعتمد عليه بصورة مباشرة.
إن المفارقة المؤلمة تكمن في أن السودان يملك كل عناصر النجاح في هذا القطاع، لكنه يعجز عن تحويلها إلى عائد اقتصادي مستدام. فالمشكلة لم تكن يوماً في قلة الموارد، بل في ضعف الإدارة وسوء التنظيم وغياب الرؤية الاستراتيجية.
أولى مشكلات صادر الهدي تتمثل في ضعف البنية التحتية المرتبطة بالصادر الحيواني، سواء في المحاجر البيطرية أو الموانئ أو وسائل النقل. فما زالت كثير من المحاجر تعاني من ضعف الإمكانيات الفنية والإدارية، إلى جانب بطء الإجراءات وتكرار الفحوصات والرسوم، الأمر الذي يرفع تكلفة الصادر ويقلل تنافسيته أمام دول أخرى دخلت بقوة إلى سوق الماشية الخليجي.
كما أن تعدد الجبايات والرسوم المفروضة على المصدرين أصبح عبئاً ثقيلاً يبدأ من مناطق الإنتاج ولا ينتهي عند الموانئ. هذه الرسوم تلتهم هامش الربح وتدفع بعض المصدرين إلى العزوف عن العمل أو الاتجاه إلى أسواق بديلة أقل تكلفة وأكثر استقراراً.
ويضاف إلى ذلك ضعف التسويق الخارجي، إذ لا تزال تجارة الهدي السوداني تعتمد بدرجة كبيرة على الاجتهادات الفردية والعلاقات الموسمية، في وقت تعمل فيه الدول المنافسة وفق خطط مؤسسية طويلة الأجل، تبني شراكات مباشرة مع الجهات المنظمة للحج وشركات توزيع الأضاحي والأسواق المركزية في الخليج.
أما الاضطرابات الاقتصادية والحرب التي يشهدها السودان فقد ألقت بظلالها الثقيلة على القطاع، حيث تأثرت حركة النقل والإنتاج والتمويل، وتراجعت قدرة الدولة على تقديم الخدمات البيطرية والرقابية المطلوبة، ما أدى إلى تراجع الثقة في استقرار الإمدادات السودانية.
إن خسائر السودان من تراجع صادر الهدي لا تقتصر على فقدان عائدات مالية فقط، بل تمتد إلى تعطيل دورة اقتصادية متكاملة تشمل الرعاة والمربين وأسواق الماشية والنقل والخدمات البيطرية والموانئ والتجارة الداخلية. وكان يمكن لهذا القطاع أن يصبح أحد أهم مصادر النقد الأجنبي إذا أُدير بعقلية اقتصادية حديثة.
ورغم هذا الواقع، فإن الفرصة لا تزال قائمة أمام السودان لاستعادة مكانته الطبيعية في سوق الهدي والأضاحي. فالسوق السعودي والخليجي ما يزال ينظر بإيجابية إلى الضأن السوداني، كما أن الطلب على الأضاحي في تزايد مستمر، سواء خلال موسم الحج أو عبر مشاريع الأضاحي الخيرية لغير الحجاج.
وتبدأ المعالجة الحقيقية بتطوير المحاجر البيطرية والمسالخ وفق المعايير الدولية، وتقليل الرسوم والجبايات، وتسهيل إجراءات الصادر، إضافة إلى إنشاء شراكات مباشرة مع المؤسسات السعودية المختصة بالهدي والأضاحي. كما ينبغي التوسع في تصدير اللحوم المبردة والمذبوحة بدلاً من الاعتماد الكامل على صادر الماشية الحية، لأن القيمة المضافة في تصنيع اللحوم أكبر بكثير من بيع الحيوان الخام.
ومن المهم أيضاً الاستفادة من سوق الأضاحي لغير الحجاج داخل المملكة ودول الخليج، عبر بناء منصات تسويق حديثة والتعاون مع الجمعيات الخيرية والمؤسسات الوقفية وشركات التوزيع الكبرى، بما يحول موسم الأضاحي إلى صناعة اقتصادية متكاملة تمتد لعدة أشهر وليس مجرد نشاط موسمي محدود.
إن الثروة الحيوانية السودانية ليست مجرد مورد تقليدي، بل تمثل فرصة استراتيجية لإنعاش الاقتصاد الوطني وتوفير العملات الأجنبية وتحريك الاقتصاد الريفي. لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا انتقل السودان من مرحلة تصدير الموارد الخام بعشوائية إلى مرحلة الإدارة الاقتصادية الحديثة القائمة على التخطيط والتسويق والتصنيع والقيمة المضافة.
فالسودان الذي يملك الأرض والماء والمراعي والثروة الحيوانية وقرب المسافة من أكبر أسواق الاستهلاك في المنطقة، لا ينبغي أن يكون خارج دائرة المنافسة، بل يفترض أن يكون في مقدمة الدول المصدرة للهدي والأضاحي. غير أن استعادة هذه المكانة تتطلب إصلاحاً حقيقياً، ورؤية وطنية تعتبر الثروة الحيوانية قطاعاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الذهب أو النفط.

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا