30 C
Port Sudan
الخميس, أبريل 30, 2026

الخبير الاقتصادي ..حاتم حسن احمد.. يكتب..بين الحماية والاختناق


حين يتحول منع الاستيراد إلى أزمة معيشية!!!
في سياق السعي لضبط الميزان التجاري وحماية العملة الوطنية، يبرز قرار رئيس مجلس الوزراء الانتقالي بالرقم ( 74) لسنة 2026م بتاريخ الثاني عشر من ابريل للعام 2026م بمنع استيراد بعض السلع والمواد الاستهلاكية ( حوالي ستة واربعون سلعة ) كأحد الأدوات الشائعة في السياسات الاقتصادية للدول التي تعاني من اختلالات هيكلية من حيث المبدأ، لا يختلف اثنان على مشروعية هذا التوجه، بل هو مطلوب في كثير من الحالات، خاصة لدعم الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج. لكن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في القرار ذاته، بل في توقيته، وآليات تنفيذه، ومدى جاهزية الاقتصاد المحلي لاستيعاب تبعاته.
أخطر ما في هذا القرار هو صدوره في ظل غياب إنتاج محلي قادر على سد الفجوة فعندما يتم حظر سلعة مستوردة دون توفير بديل محلي من حيث الكمية والجودة والسعر، فإن السوق يدخل مباشرة في حالة اختلال بين العرض والطلب. النتيجة الطبيعية لذلك هي ندرة السلع، وارتفاع أسعارها بشكل متسارع، وهو ما ينعكس مباشرة على معيشة المواطن، خاصة في ظل دخول ثابتة أو متآكلة بفعل التضخم.
من أولى النتائج المتوقعة لهذا القرار ارتفاع أسعار السلع المشمولة بالحظر ومع غياب المنافسة الخارجية، يصبح السوق المحلي بيئة شبه احتكارية، حيث يتحكم عدد محدود من الموردين أو المنتجين في الأسعار. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الارتفاع تدريجياً، بل قفزات حادة، تتجاوز في كثير من الأحيان القدرة الشرائية للمستهلك، ولا يتوقف الأمر عند السلع الممنوعة فقط، بل يمتد إلى سلع بديلة أو مكملة، مما يخلق موجة تضخمية أوسع تؤثر على سلة الاستهلاك بشكل عام.
الاقتصاد الحديث قائم على سلاسل إمداد مترابطة، ومنع استيراد سلعة معينة قد يؤثر على صناعات أخرى تعتمد عليها كمدخل إنتاج. هذا يعني أن القرار، رغم أنه يستهدف سلعة استهلاكية، قد ينعكس سلباً على قطاعات إنتاجية، مما يؤدي إلى تراجع النشاط الاقتصادي بدلاً من تحفيزه.
حينما تختفي السلع من القنوات الرسمية، فإنها لا تختفي من السوق كلياً، بل تنتقل إلى قنوات غير رسمية. وهنا تبدأ مرحلة أكثر خطورة، تتمثل في عودة التهريب والسوق السوداء. هذه الظاهرة لا تؤدي فقط إلى فقدان الدولة لعائدات جمركية، بل تفتح الباب أمام دخول سلع منخفضة الجودة أو غير مطابقة للمواصفات، مما يشكل خطراً صحياً واقتصادياً، كما أن التهريب يعزز اقتصاد الظل، ويضعف هيبة الدولة وقدرتها على ضبط الأسواق، وهو ما يقوض أهداف القرار من أساسها.
القرارات المفاجئة وغير المدروسة تخلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين والتجار. فغياب الاستقرار في السياسات يجعل من الصعب التخطيط طويل الأجل ويؤدي الي إحجام القطاع الخاص عن الاستثمار وخاصة في القطاعات الإنتاجية التي يفترض ان تستفيد من مثل هذه القرارات.
رغم كل ما سبق يبقي ان منع استيراد بعض السلع يظل آداة مشروعة وفعالة اذاد ما تم استخدامها بشكلها الصحيح ويتطلب ذلك توفير بديل محلي حقيقي ودعم المنتجين المحليين عبر التمويل وتخفيض تكاليف الإنتاج وكذلك التدرج في تطبيق المنع واحكام الرقابة الصارمة علي العملية الإنتاجية والسوق وتنسيق مؤسسي بين الجهات الاقتصادية والرقابية لضمان ان مثل هذه القرارات تخدم ولا تهدم وحتى يتوفر ذلك يمكننا إطلاق وصف على هذه القرارات بانها قرارات صحيحة في الزمن الخطأ.

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا