22.6 C
Port Sudan
الإثنين, مارس 9, 2026

الخبير الاقتصادي حاتم حسن احمد..يكتب..مع اشتعال الحرب الاقتصاد العالمي الي اين؟

مع اشتعال الحرب
الاقتصاد العالمي الي أين ؟

الخبير الاقتصادي حاتم حسن احمد يكتب:

لم تكن الحروب في الشرق الأوسط يوماً مجرد صراعات سياسية أو عسكرية، بل كانت دائماً لحظات فارقة في مسار الاقتصاد العالمي. فالمنطقة التي تختزن أكبر احتياطات الطاقة في العالم وتتحكم في أهم ممرات التجارة الدولية، تمتلك قدرة استثنائية على نقل آثار الصراع من ساحات القتال إلى أسواق المال والطاقة والتجارة في مختلف القارات. ومع تصاعد المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط اليوم، بدأت ملامح موجة اقتصادية عالمية جديدة تتشكل، عنوانها الأبرز: ارتفاع أسعار الطاقة، اضطراب سلاسل الإمداد، وعودة الضغوط التضخمية إلى الاقتصاد الدولي.
السبب الرئيس في حساسية الاقتصاد العالمي تجاه أي صراع في هذه المنطقة يتمثل في الطاقة. فالشرق الأوسط ينتج قرابة ثلث النفط العالمي، كما يمر عبر مضيق هرمز وحده نحو عشرين مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب خمس الاستهلاك العالمي. لذلك فإن أي تهديد لحركة الملاحة في هذا المضيق أو الممرات البحرية القريبة منه ينعكس فوراً على أسعار النفط. وقد شهدت الأسواق بالفعل ارتفاعات ملحوظة مع بداية التصعيد، حيث قفزت الأسعار إلى مستويات قاربت تسعين دولاراً للبرميل، وسط توقعات بإمكانية تجاوز حاجز المئة دولار إذا اتسع نطاق الصراع.
ارتفاع أسعار الطاقة لا يتوقف أثره عند حدود سوق النفط، بل يمتد سريعاً إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. فكل زيادة في سعر النفط تعني ارتفاعاً في تكاليف النقل والإنتاج والصناعة، وهو ما يؤدي بدوره إلى موجة تضخم جديدة قد تعرقل جهود البنوك المركزية التي تحاول منذ سنوات السيطرة على ارتفاع الأسعار. وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن كل زيادة قدرها عشرة دولارات في سعر البرميل قد ترفع معدلات التضخم العالمية بنحو ربع نقطة مئوية تقريباً، وهو رقم يبدو محدوداً لكنه مؤثر في اقتصاد عالمي يعاني أصلاً من هشاشة التعافي.
ولا يقل تأثير الحرب على التجارة العالمية أهمية عن تأثيرها على الطاقة. فالممرات البحرية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها مضيق هرمز وباب المندب، تمثل شرايين أساسية لحركة التجارة الدولية. ومع اعتماد أكثر من ثمانين في المئة من التجارة العالمية على النقل البحري، فإن أي اضطراب في هذه الممرات يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، ويعيد إلى الأذهان أزمات سلاسل الإمداد التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة.
أما أسواق المال العالمية فتظل الأكثر حساسية للتوترات الجيوسياسية. فعادة ما تدفع الحروب المستثمرين إلى البحث عن الملاذات الآمنة مثل الذهب والدولار، بينما تتعرض أسواق الأسهم لضغوط التراجع. ومع استمرار حالة عدم اليقين، قد تتجه رؤوس الأموال إلى تقليص استثماراتها في الأسواق الناشئة، وهو ما يزيد من الضغوط على اقتصادات الدول النامية التي تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الخارجي.
ورغم أن بعض الدول المصدرة للطاقة قد تستفيد مؤقتاً من ارتفاع الأسعار، فإن المكاسب قصيرة الأجل قد تتحول إلى مخاطر إذا أدى الصراع إلى تعطيل الإمدادات أو تهديد البنية التحتية للطاقة في المنطقة. وفي المقابل ستكون الدول المستوردة للطاقة، خاصة في آسيا وأوروبا، الأكثر تأثراً بارتفاع الأسعار، الأمر الذي قد يبطئ النمو الاقتصادي العالمي ويزيد من الضغوط على الميزانيات الحكومية.
في النهاية، تؤكد التجربة التاريخية أن الشرق الأوسط ليس مجرد منطقة جغرافية مضطربة، بل هو محور حساس في توازن الاقتصاد العالمي. وكلما اتسعت رقعة الصراع فيه، انتقلت موجاته بسرعة إلى أسواق الطاقة والتجارة والمال في مختلف أنحاء العالم. ولذلك فإن استمرار الحرب الحالية لا يهدد الاستقرار الإقليمي فحسب، بل قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى مرحلة جديدة من التقلب وعدم اليقين، حيث تتقاطع السياسة مع الاقتصاد في واحدة من أكثر المعادلات تعقيداً في النظام الدولي المعاصر.

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا