25.1 C
Port Sudan
الإثنين, فبراير 16, 2026

السودان بين عدستين: معركة السردية بين توثيق والتضليل ..بقلم ..رانيا عمر

لم تكن المعركة عسكرية فحسب في حرب السودان التي اندلعت في أبريل 2023، بل إعلامية أيضاً. ومع تضاؤل الوصول الميداني وتقييد حركة الصحفيين، أصبحت كل صورة تُبث، وكل شهادة تُنقل، جزءاً من معركة السرديات، في سباق إعلامي يتسارع كلما توفرت المعلومات.

وسط هذا المشهد، برزت تغطية قناة الجزيرة من جهة، وسكاي نيوز عربية من جهة أخرى، كنموذجين مختلفين في مقاربة الحدث السوداني.

الجزيرة: الكاميرا في وجه المأساة

في تقاريرها من السودان، عبر المراسلة حياة اليماني، ركزت الجزيرة على قلب الأزمة: المدنيون.

انطلقت التغطية من مخيمات النزوح، المدن المنكوبة، والطرق التي تحولت إلى ممرات هروب قسري تحت وطأة العنف والانتهاكات. القصص لم تكن أرقاماً، بل شهادات مباشرة: أسر فقدت منازلها، مستشفيات خرجت عن الخدمة، ومدن بلا كهرباء أو ماء. كما استندت التقارير إلى تحذيرات منظمات دولية بشأن المجاعة والانهيار الصحي، وربطت الوقائع بسياقها الإنساني الأوسع.

النهج كان واضحاً في تسليط الضوء على نتائج الحرب لا تبرير أطرافها. العدسة لم تبحث عن صورة “استقرار”، بل عن حقيقة الانهيار.

توثيق الانتهاكات:

غطت الجزيرة تقارير عن انتهاكات جسيمة طالت المدنيين، مستندة إلى شهادات ناجين وبيانات حقوقية وتقارير أممية. لم تُقدَّم الوقائع باعتبارها رواية طرف، بل بوصفها أزمة إنسانية تتجاوز الاصطفافات السياسية والتقدمات العسكرية. وهذا منح التغطية ثقلاً توثيقياً، وجعلها أقرب إلى أرشيف بصري متكامل للحرب.

سكاي نيوز: الصورة المنقوصة:

في المقابل، ظهرت تقارير لسكاي نيوز من مناطق خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، ركزت على مشاهد توحي بوجود حياة يومية تسير بشكل طبيعي: مقابلات مع إدارات محلية، أسواق مفتوحة، وتصريحات تؤكد “الاستقرار” التام.

لكن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل تُنقل الصورة الكاملة عندما تكون الكاميرا داخل نطاق سيطرة قوة متمردة مسلحة؟

انتقد صحفيون وناشطون سودانيون هذه التغطية، لأنها لم تُظهر السياق القسري الذي تُدار به بعض المناطق، وتجاهلت شهادات الخوف أو الانتهاكات المبلغ عنها، وتوثيقات الأقمار الاصطناعية والتقارير الأممية، وركزت على مظاهر شكلية للحياة اليومية دون الغوص في البنية الأمنية التي تخضع لها.

التضليل لا يأتي دائماً عبر الكذب الصريح، بل عبر انتقاء ما يُعرض وإغفال ما هو أكثر إيلاماً، في واقع موثق بالضرورة للعالم، حتى عبر مقاطع بثها بعض الجنود بأنفسهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

الحرية أمام الكاميرا:

في بيئات النزاع، لا يكفي أن تصل الكاميرا إلى مكان الحدث. الأهم: هل من يتحدث أمامها حرّ؟

العمل الصحفي داخل مناطق تسيطر عليها جماعات مسلحة يفرض قيوداً غير مرئية: موافقات مسبقة، مرافقة أمنية، خطوط حمراء غير معلنة، ومحاولات لتجميل الواقع وتلميع صورة المتمرد.

الفرق في المنهج:

في منهج قناة الجزيرة، برز تركيز واضح على الواقع الإنساني، وحضور قوي للضحايا بالصوت والصورة، وربط الوقائع بسياق الأزمة الوطنية، مع إبراز الانهيار الخدمي والمجاعة والتهجير.

أما في تغطية سكاي نيوز عربية، فقد طغى التركيز على مناطق محددة دون الصورة الكلية، وإبراز مظاهر انتظام الحياة، وإجراء مقابلات داخل بيئة خاضعة لسلطة الأمر الواقع، مع غياب صوت المتضررين خارج الإطار الرسمي المحلي.

الفارق هنا ليس تقنياً بل منهجي
هل يُبنى التقرير من الأسفل إلى الأعلى، من الناس إلى السياسة؟ أم من الأعلى إلى الأسفل، من السلطة إلى المشهد العام؟

معركة السردية:

الإعلام لا يصنع الوقائع، لكنه يصنع فهمها. في حالة السودان، حيث الانتهاكات موثقة من منظمات دولية، وحيث النزوح يُقدَّر بالملايين، يصبح أي اختزال للصورة خطراً وخطأً مهنياً.

الصحافة في مناطق الحروب ليست اختبار شجاعة ميدانية، بل اختبار استقلال أخلاقي ومهني.

ويبقى السؤال الجوهري: كيف وصل فريق سكاي نيوز إلى مناطق الدعم السريع أصلاً؟ وهل يمكن الحديث عن “استقرار” في ظل تقارير موثقة عن نزوح واسع، وسحل، وانتهاكات جنسية، ومقابر جماعية؟

الخلاصة

الحرب في السودان كشفت تفاوتاً واضحاً في المقاربة الإعلامية. بدت تغطية الجزيرة أقرب إلى صحافة الميدان الإنسانية، فيما بدت تغطية سكاي نيوز انتقائية ومحدودة الإطار.

وما بين توثيق المعاناة وصناعة الصورة، يبقى الفارق في السؤال الذي يطرحه الصحفي قبل أن يضغط زر التسجيل:
هل أنقل ما أراه… أم ما يُسمح لي أن أراه؟

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا