الثروة التي لا تُدار…
تتحول إلى مطامع!!!
في علم الاقتصاد الحديث لم تعد وفرة الموارد الطبيعية ضمانًا للتنمية أو الاستقرار الاقتصادي، بل أصبح معيار التفوق الحقيقي مرتبطًا بكفاءة الإدارة وحسن توظيف الموارد المتاحة. والسودان يمثل نموذجًا صارخًا لهذه المعادلة؛ دولة غنية بالأرض والمياه والمعادن والثروة الحيوانية، لكنها تعاني من أزمات اقتصادية متراكمة، ليس بسبب الفقر في الموارد، وإنما بسبب ضعف الإدارة الاستراتيجية لها عبر عقود طويلة.
إن التجارب الدولية تثبت أن الدول التي نجحت في التحول الاقتصادي لم تكن بالضرورة الأغنى في الموارد، بل الأكثر كفاءة في الإدارة. سنغافورة وكوريا الجنوبية واليابان لم تمتلك ثروات طبيعية ضخمة، لكنها استثمرت في الإدارة الرشيدة، والتخطيط طويل المدى، وبناء المؤسسات. في المقابل، تعثرت دول عديدة رغم امتلاكها ثروات هائلة بسبب سوء الإدارة، وغياب الحوكمة، وارتفاع معدلات الفساد، وغياب الرؤية التنموية المستدامة.
الموارد السودانية لها إمكانات استراتيجية ولكنها موسومة بانها غير مستثمرة إذ يمتلك السودان مقومات اقتصادية نادرة أكثر من 200 مليون فدان صالحة للزراعة ، موارد مائية ضخمة من نهر النيل وروافده ، ثروة حيوانية من الأكبر في إفريقيا والعالم العربي ، احتياطيات معدنية تشمل الذهب والنحاس والحديد وغيرها و موقع جغرافي استراتيجي يربط إفريقيا بالعالم العربي ولكن هذه الموارد ظلت في أغلب الفترات تعمل بأقل من طاقتها الإنتاجية بسبب ضعف التخطيط المؤسسي، وغياب سلاسل القيمة الصناعية، والاعتماد على تصدير المواد الخام بدل التصنيع.
الماثل العالمي والإقليمي يؤكد الميز النسبية الحقيقية… في الإدارة لا في الامتلاك فالمفهوم الاقتصادي للميزة النسبية لم يعد مرتبطًا فقط بتوافر الموارد، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الدولة على إدارة الموارد بكفاءة، تحويل الموارد الخام إلى منتجات عالية القيمة، بناء أنظمة إنتاج مرنة ومستدامة
وتطوير رأس المال البشري.
فالسودان يمكن أن يتحول إلى قوة اقتصادية إقليمية إذا تحولت إدارته الاقتصادية من نموذج الريع والاستخراج إلى نموذج القيمة المضافة والتصنيع.
يمكن تلخيص فشل الحكومات المتعاقبة في إدارة الموارد السودانية كما ينبغي في عدة محاور رئيسة غياب التخطيط الاستراتيجي طويل المدى فقد تعاقبت السياسات الاقتصادية بتغير الحكومات، مما أدى إلى غياب الاستمرارية في المشاريع التنموية الكبرى و ضعف المؤسسات الاقتصادية مصحوبا هيمنة القرارات السياسية على القرار الاقتصادي مما أضعف المؤسسات الفنية والمهنية ونجد أن اس المشكلات الفساد وضعف الشفافية أدى إلى تسرب الموارد خارج الدورة الاقتصادية الوطنية وكذلك الاعتماد على تصدير المواد الخام بدلا عن بناء صناعات تحويلية تخلق وظائف وتزيد الناتج المحلي و إهمال رأس المال البشري بالإضافة ضعف الاستثمار في التعليم الفني والتقني والتدريب الإداري.
علينا الاستفادة من الحرب وإعادة التفكير في السلوك الاقتصادي للدولة ففي مرحلة إعادة الإعمار، يصبح حسن إدارة الموارد أهم من حجم الموارد نفسها وليتحقق ذلك يتطلب من وجهة نظري المتواضعة إنشاء مفوضيات مستقلة لإدارة الموارد الاستراتيجية وتطبيق الحوكمة الرقمية لمنع الفساد وتوجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية (الزراعة – الصناعة – الطاقة) أيضا بناء شراكات استثمارية قائمة على نقل المعرفة لا مجرد التمويل والاتجاه كليا لتطوير الصناعات المرتبطة بالزراعة والثروة الحيوانية والتعدين
فالمطلوب مشروع وطني جديد قائم على الإدارة المؤسسية بمعني أن
إعادة إعمار السودان يجب أن تقوم على ثلاث ركائز أساسية إدارة رشيدة للموارد وتصنيع قائم على القيمة المضافة وتنمية بشرية قائمة على المعرفة والتدريب فالاقتصاد الحديث لم يعد يقاس بما تمتلكه الدول تحت الأرض، بل بما تديره فوق الأرض.
إن التجربة السودانية تقدم درسًا اقتصاديًا مهمًا فحواه أن الثروات غير المدارة تتحول إلى عبء اقتصادي وسياسي ولن يكون طريق السودان نحو الاستقرار وإعادة الإعمار معتمدًا على اكتشاف موارد جديدة، بل على اكتشاف طريقة جديدة لإدارة ما يملكه بالفعل.
الميزة النسبية للسودان ليست في اتساع أراضيه، ولا في غزارة مياهه، ولا في تنوع موارده، بل في قدرته – إذا توفرت الإرادة السياسية والمؤسسية – على إدارة هذه الموارد بكفاءة وعدالة واستدامة.

