24.5 C
Port Sudan
الخميس, مارس 26, 2026

سقوط النخب أمام تضحيات الجيش والشعب ..بقلم..محمد حسين القريش..منسق عام مسار الوسط

سقوط النخب أمام تضحيات الجيش والشعب
منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، انكشفت الساحة السياسية السودانية على حقيقتها، وسقطت كثير من الأقنعة التي ظلت تتخفى خلف شعارات الوطنية والجماهيرية. ففي اللحظة التي كان فيها الوطن ينزف، والشعب يواجه القتل والنهب والتشريد والاغتصاب، لم يكن لمعظم القوى السياسية دور يُذكر؛ بعضهم غادر البلاد، وآخرون لاذوا بصمتٍ مريب، وكأن ما يحدث لا يعنيهم، وكأن دماء السودانيين ليست مسؤوليتهم.
الأحزاب الكبيرة التي طالما ادّعت تمثيل الجماهير لم تُثبت حضورًا حقيقيًا، ولم نر منها سوى المتاجرة بالكتل البشرية واستخدامها كورقة ضغط سياسية. وعندما اشتدت المحنة، اختفت القيادات وغاب الصوت الوطني الصادق، وانكشف الفراغ السياسي بوضوح. وهنا كان السقوط الحقيقي للنخب أمام امتحان الوطنية.
لقد كان صراع هذه القوى حول الاتفاق الإطاري من الأسباب المباشرة التي قادت إلى الانفجار الكبير، وكانت نتيجته حربًا مدمرة دفع ثمنها المواطن البسيط لا النخب المتصارعة. الشعب وحده من دفع الفاتورة: قتلًا ونزوحًا وفقدًا للأمن والاستقرار، بينما ظل الساسة يتبادلون المواقع والمصالح.
وفي المقابل، عندما خاضت القوات المسلحة معركة الكرامة دفاعًا عن الدولة والأرض والعِرض، تقدّم أبناء الشعب الصفوف، ووقفوا خلف مؤسستهم الوطنية. ومن شرق السودان، في مؤتمر الجبهة الوطنية بمدينة أركويت، ثم في مؤتمر سنكات الذي دشّن الدعم الشعبي الواسع للقوات المسلحة، بدأت ملامح الاصطفاف الوطني الحقيقي تتشكل بعيدًا عن وصاية الأحزاب.
ولم يتوقف الحراك الشعبي عند الشرق وحده، بل امتد إلى إقليم الوسط وشمال السودان عبر مؤتمرات إقليمية وجماهيرية أكدت ذات الرسالة: أن السودان يحميه أبناؤه، وأن الشرعية تنبع من الشعب لا من التحالفات الهشة ولا من الصفقات السياسية. تلك المؤتمرات كانت تعبيرًا صادقًا عن وحدة الإرادة الوطنية، وعن التفاف المواطنين حول جيشهم ومؤسسات دولتهم.
وفي الوقت الذي كان فيه الجنود والضباط يقدمون أرواحهم فداءً للسودان في مختلف المحاور، ظل بعض الساسة يراقبون المشهد من فنادق بورتسودان الآمنة، يتحدثون باسم الشعب دون أن يدفعوا ثمنًا أو يتحملوا مسؤولية. عشرات الشهداء يرتقون كل يوم، بينما هم منشغلون بالمؤتمرات والبيانات والمناورات. كانت تلك اللحظة الفارقة التي أكدت أن الشرعية تُولد من ميادين التضحية، لا من صالونات السياسة.
ومع تقدم قواتنا المسلحة واستعادة زمام المبادرة، عاد سماسرة الوطن للظهور من جديد، محاولين إعادة إنتاج ذات العبث الذي قاد إلى الأزمة. يريدون إحياء الإطاري بثوب جديد، وكأن شيئًا لم يكن، وكأن دماء الشهداء لم تُهرق.
وهنا نقولها بوضوح: لن نقبل بإطاري جديد، ولن نسمح بعودة ذات الوجوه التي تسببت في هذا الخراب. لقد تغيّر الشعب بعد 15 أبريل، وأصبح أكثر وعيًا وصلابة، ولم يعد يقبل أن يُستغل أو يُتاجر باسمه.
إن تكوين السلطة التشريعية ليس صفقة حزبية ولا محاصصة سياسية، بل هو حق أصيل للشعب السوداني. والشعب الذي عبّر عن تفويضه في مؤتمرات سنكات، والشرق، والوسط، والشمال، هو وحده صاحب القرار فيمن يشرّع باسمه ويصون دولته.
ومن هنا، فإن هذا التفويض الشعبي يمنح القيادة العامة، ممثلة في الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، مسؤولية تاريخية لتأسيس سلطة تشريعية وطنية تعبّر عن الإرادة الحقيقية للجماهير، لا عن صفقات الغرف المغلقة.
وعلى القوى السياسية التي تعرقل هذا المسار أن تُصلح بيوتها الداخلية أولًا، وأن تعيد بناء شرعيتها وسط قواعدها، قبل أن تدّعي القدرة على حل قضايا السودان. فالوطن لا يُدار بالشعارات، بل بالتضحيات والمواقف.
إن المرحلة القادمة تتطلب سلطة تشريعية نابعة من الشعب، منحازة له، حارسة لمصالحه، داعمة لمؤسساته الوطنية، وقادرة على وضع أسس الدولة العادلة التي يحلم بها السودانيون.
الرحمة والمغفرة لشهداء العز والكرامة،
وعاجل الشفاء للجرحى والمصابين،
وفكَّ الله أسر أسرانا،
وحفظ الله السودان من الفتن والمتربصين والطامعين.

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا