في الأيام الأولى بدت الحياة شبه طبيعية: قلق مكتوم، أخبار متقطّعة، وأصوات بعيدة تخفت ثم تعود. ثم اكتمل الخوف دفعة واحدة. دخلت قوات الدعم السريع إلى الكدرو، وارتكزت أمام بنك الخرطوم مقابل مستشفى الريحانة. لم يعد الخطر احتمالًا بعيدًا، بل حضورًا ثقيلًا يفرض نفسه على كل تفصيلة في المكان.
أنزلتُ الجميع إلى الطابق الأول. وضعتُ الأطفال خلفي، وما تيسّر من أثاث أمامي. لم تكن خطة مدروسة، بل غريزة خالصة. في تلك اللحظة لا يبحث الأب عن بطولة ولا عن لغة كبيرة؛ بل يواجه سؤالًا واحدًا: كيف يحمي من خلفه ولو بثمنه هو؟ لم يكن أمامي خيار؛ كان خياري أن يكون جسدي. لم أبكِ—لا قسوةً—بل لأن الوقت لم يسمح، ولأن الخوف حين يبلغ ذروته يجرّد الإنسان من كل شيء إلا الفعل.
ثم جاء مساء خميس طويل لم يعد الليل بعده كما كان. استمرّت الاشتباكات أكثر من أربع عشرة ساعة متواصلة. من نافذة الشقة رأيت الشارع الذي أعرفه يتحوّل إلى ساحة مواجهة مفتوحة. هناك، من جهة معسكر حطّاب، بدأ الجيش يتقدّم. لم يكن تقدّمًا اندفاعيًا ولا استعراض قوّة، بل حركة بطيئة محسوبة، تُثبَّت فيها المواقع مترًا مترًا. كانت القوات تتحرّك تحت نيران كثيفة، تُمسك بالأرض ثم تعاود التقدّم، كمن يعرف أن الخطأ في حرب المدن لا يُصحَّح.
وفي خضمّ ذلك المشهد، رأيت ضابطًا برتبة عقيد يسير مكشوفًا في منتصف الطريق، لا يحتمي بجدار ولا يختبئ خلف مركبة. لم يكن يبحث عن بطولة؛ بل كان يفرض إيقاع المعركة على رجاله، يوجّههم بيده وصوته، وكأن وجوده في المقدّمة رسالة واضحة: لا انسحاب الآن. عندها فقط أدركت أن ما يجري ليس تبادل نار عشوائيًا، بل عملية عسكرية تُدار بأعصاب باردة في حيّ يسكنه مدنيون، وبإحساس ثقيل بالمسؤولية.
مع اقتراب الفجر، طُرق باب العمارة. في الحرب، الطرق على الباب ليس تفصيلًا عابرًا. كان العقيد نفسه الذي رأيته في الشارع. لم يقتحم؛ استأذن. دخل الجنود بانضباط، وتركّز اهتمامهم على السطح بسبب وجود هيكل خرساني غير مكتمل بجوار العمارة، يُنظر إليه كموضع محتمل للرصد أو القنص. جلسنا دقائق قصيرة، وشاركناهم ما تيسّر من طعام.
وعندما خرجنا من المنزل، كانوا مرتكزين أسفل العمارة وأمام مقرّ الطب البيطري في الكدرو. لم نتبادل كلمات كثيرة؛ فقط مددتُ ما كان برفقتنا من طعام، كأنني أقول لهم: هذا كل ما أستطيع أن أتركه وأنا أترك المكان، وكل ما أملكه وأنا أمضي. قال العقيد بصوت صادق بلا وعود إن الطريق من جهة مجمّع البشير غير آمن ولا يستطيع ضمان المرور. لم يمنعنا ولم يجمّل الحقيقة؛ قالها كما هي.
ورغم ذلك خرجنا، لأن البقاء صار أثقل من المجازفة. ومع صباح الجمعة كان الجيش قد حسم المواجهة، وتراجع الدعم السريع نحو السوق المركزي قرب مجمّع البشير. وأثناء خروجنا رأيت مشهدًا لن أنساه: ضباطًا من الجيش ومعهم مدنيون يحملون جثمان مقاتل من قوات الدعم السريع لدفنه في الساحة التي تجاور المدرسة القريبة من فرع بنك الخرطوم. لم يكن في المشهد انتصارٌ صاخب، بل احترامٌ صامت للموت، وإصرارٌ على أن الحرب—مهما بلغت قسوتها—لا تُسقِط معنى الكرامة.
في تلك الليالي، لم يكن الجيش فكرة مجرّدة ولا مؤسسة بعيدة؛ كان رجالًا يحرسون بيوتًا لا يعرفون أصحابها، ويؤمّنون طرقًا لا يعرفون من سيمرّ بها، ويقفون في مواقعهم وهم يدركون أن انسحابهم ليس خيارًا شخصيًا، بل سقوطًا عامًا. كانت البطولة هناك صامتة، بلا عدسات ولا خطب، تُقاس بالانضباط وبالقدرة على الوقوف حين ينهار كل شيء من حولك.
لهذا أكتب، ولهذا لا أستطيع أن أكون محايدًا—لا لأن الحياد رذيلة، بل لأن التجربة أحيانًا تُسقِط وهمه. لأن بعض البطولات لا تُروى في البيانات، بل تُعاش في العتمة. ولأن جيشًا يحاول—وسط هذا الخراب كله—أن يحفظ حياة الناس وكرامة الموت معًا، يستحق أن تُقال قصته كما هي: بصدق، وبمسؤولية، وبذاكرة لا تنسى.
ولستُ محايدًا… ولستُ محايدًا، لأن ما رأيته لا يترك للضمير مسافة للوقوف في المنتصف.

